< اليورو والإسترليني يستغلان تراجع الأخضر.. قراءة في حركة العملات العالمية اليوم
متن نيوز

اليورو والإسترليني يستغلان تراجع الأخضر.. قراءة في حركة العملات العالمية اليوم

الدولار الأمريكي
الدولار الأمريكي

شهد أداء الدولار الأمريكي حالة من التذبذب الواضح خلال تعاملات اليوم الخميس، حيث استقر مؤشر العملة الخضراء في نطاق ضيق مائلًا نحو الهبوط الطفيف بعد تكبده خسائر كبيرة في الجلسات الماضية، ويأتي هذا الأداء المتذبذب في وقت يسيطر فيه الحذر الشديد على تحركات المستثمرين والمؤسسات المالية العالمية، الذين يعكفون حاليًا على تقييم مدى صمود وقف إطلاق النار الهش الذي تم التوصل إليه لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، فبالرغم من توقف المواجهات المباشرة، إلا أن الأسواق لا تزال تخشى من انهيار مفاجئ لهذا الاتفاق، خاصة في ظل استمرار العمليات العسكرية الموازية التي تشنها إسرائيل ضد حزب الله في لبنان، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد الجيوسياسي ويجعل الثقة في استدامة الهدنة ضعيفة للغاية، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على شهية المخاطرة ودفع العملة الأمريكية للتخلي عن جزء من مكاسبها التي حققتها كأبرز ملاذ آمن منذ اندلاع الصراع قبل خمسة أسابيع.

وتتفاقم المخاوف الدولية مع اتهام طهران لكل من تل أبيب وواشنطن بانتهاك بنود الاتفاق المبرم، وصفت السلطات الإيرانية الاستمرار في محادثات السلام بأنه أمر "غير منطقي" في ظل هذه الظروف، وهو ما أدى إلى بقاء مضيق هرمز الاستراتيجي مغلقًا أمام السفن التي لا تحمل تصاريح مرور خاصة، وأكدت كبرى شركات الشحن العالمية أنها بحاجة إلى ضمانات أمنية ووضوح أكبر قبل استئناف حركة المرور الملاحية في هذا الممر الحيوي الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية، هذا الإغلاق المستمر تسبب في ضغوط تصاعدية على أسعار النفط، مما أضاف عبئًا جديدًا على الدول المستوردة للطاقة وساهم في تراجع مؤشر الدولار بنسبة طفيفة بلغت 0.01% ليصل إلى مستوى 99.05 نقطة، بينما حاول اليورو والجنيه الإسترليني الاستفادة من هذا التراجع ليحققا ارتفاعات طفيفة أمام العملة الأمريكية في انتظار بيانات اقتصادية أمريكية حاسمة ستصدر في وقت لاحق اليوم.

تحركات العملات العالمية

على صعيد العملات الرئيسية الأخرى، أظهرت التداولات ارتفاع اليورو بنسبة 0.01% ليصل إلى 1.1663 دولار، بينما سجل الجنيه الإسترليني زيادة مماثلة ليتداول عند مستوى 1.3393 دولار، وفي المقابل بدد الين الياباني بعض المكاسب القوية التي حققها عقب الإعلان عن الهدنة مباشرة، حيث انخفض بنسبة 0.13% ليصل إلى 158.8 مقابل الدولار، ويرى المحللون أن الدولار كان المستفيد الأكبر طوال فترة الحرب المستمرة منذ خمسة أسابيع، نظرًا لكون الولايات المتحدة مصدرًا صافيًا للطاقة، مما جعلها أقل تأثرًا بالاضطرابات الاقتصادية التي ضربت أوروبا واليابان نتيجة الارتفاع الجنوني في أسعار الوقود، ومع ذلك، فإن ثقة المستثمرين التي اهتزت بشدة جراء أكبر اضطراب في إمدادات الغاز والنفط عالميًا بدأت تتجه نحو الهدوء الحذر، بانتظار صدور بيانات نفقات الاستهلاك الشخصي لشهر فبراير في الولايات المتحدة، والتي ستعطي مؤشرات قوية حول توجهات الفيدرالي الأمريكي وسعر الفائدة في الفترة المقبلة.

أما في أسواق العملات المرتبطة بالسلع، فقد تراجع الدولار الأسترالي بنسبة 0.13% ليصل إلى 0.7033 دولار أمريكي، متأثرًا بحالة عدم اليقين في منطقة المحيط الهادئ، بينما سجل الدولار النيوزيلندي ارتفاعًا طفيفًا بنسبة 0.07% ليصل إلى 0.5826 دولار، وفي عالم الأصول الرقمية، لم تكن العملات المشفرة بمعزل عن هذه التوترات، حيث انخفض سعر بيتكوين بنسبة 0.61% ليتداول عند 70944.20 دولار، وهبط سعر إيثر بنسبة أكبر بلغت 1.35% ليصل إلى 2180.21 دولار، وتعكس هذه التحركات رغبة المستثمرين في الخروج المؤقت من الأصول ذات المخاطر العالية بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من تطورات على الجبهة الإيرانية، خاصة بعد تراجع الرئيس دونالد ترامب عن تهديداته السابقة بمهاجمة البنية التحتية المدنية الإيرانية، وهو ما أعطى طهران، حسب خبراء، سيطرة أكبر على الملاحة في مضيق هرمز مما كانت عليه قبل اندلاع الصراع.

مستقبل الهدنة والأسواق

تظل الهدنة الحالية "على كف عفريت" كما يصفها مراقبون، حيث إن استمرار الحرب في لبنان والتهديدات المتبادلة بين الأطراف الفاعلة يجعل من استئناف التجارة العالمية عبر مضيق هرمز أمرًا محفوفًا بالمخاطر، ويرى محللون ماليون أن الدولار قد يعود للارتفاع مجددًا ويقترب من أعلى مستوياته في 11 شهرًا إذا ما فشلت المحادثات الدبلوماسية وعادت لغة السلاح للواجهة، فالسوق حاليًا يعيش مرحلة من "تلاشي مكاسب الحرب" ولكن دون الوصول إلى مرحلة الاستقرار الكامل، إذ أن أي شرارة في المنطقة ستعيد أسعار النفط إلى مستويات قياسية وتدفع بالدولار للصعود كأداة تحوط وحيدة في ظل الأزمات الجيوسياسية الكبرى، ويبقى الترقب لبيانات التضخم الأمريكية اليوم هو المحرك الأساسي قصير المدى للأسواق، حيث ستحدد هذه البيانات ما إذا كان الدولار سيواصل تراجعه الهادئ أم سيستعيد زخمه المفقود أمام سلة العملات العالمية.

وفى ختام المشهد، يراقب العالم بأسره حركة الشحن البحري، فمن دون فتح كامل وآمن لمضيق هرمز ستظل تكاليف النقل والإنتاج في تصاعد، مما يغذي التضخم العالمي ويجبر البنوك المركزية على اتخاذ إجراءات نقدية متشددة، إن الأسبوعين القادمين يمثلان اختبارًا حقيقيًا للإرادة الدولية في احتواء الصراع، وفي حال نجاح الهدنة فقد نرى تحولًا كبيرًا في تدفقات رؤوس الأموال نحو العملات الأوروبية والآسيوية التي عانت الأمرين خلال فترة الحرب، أما في حال الفشل، فإن السيناريو المتوقع هو عودة الدولار للهيمنة المطلقة ودخول الاقتصاد العالمي في دوامة جديدة من الركود التضخمي الذي قد يعيد تشكيل خارطة القوى الاقتصادية الكبرى لسنوات قادمة، مما يجعل كل قرار يتخذه المستثمر اليوم مرهونًا بمدى صمود "الهدنة الهشة" في وجه رياح التصعيد المستمرة.