الأوساط الفنية تنعي زينب السجيني: أستاذة الأجيال التي شكلت وجدان الفن التشكيلي المصري
غيب الموت منذ قليل الفنانة التشكيلية القديرة زينب السجيني، الأستاذة المتفرغة بكلية التربية الفنية بجامعة حلوان، وإحدى أبرز رائدات الفن التشكيلي في مصر ومنطقة الشرق الأوسط، ويأتي رحيلها بمثابة خسارة فادحة للوسط الأكاديمي والفني، حيث كانت تمثل جسرًا واصلًا بين الأصالة والمعاصرة في الفن المصري الحديث، وأعلن أحد المقربين من الفنانة الراحلة عبر منصات التواصل الاجتماعي عن وفاتها، معربًا عن خالص تعازيه لابنتها الأستاذة الدكتورة إيمان النشار، أستاذة العمارة بكلية الفنون الجميلة، واصفًا غياب السجيني بأنه انطفاء لرمز بارز أثرى المكتبة الفنية والجمالية بإنتاج غزير، وأسهم بجدية في إعداد وتخريج أجيال متعاقبة من الفنانين والباحثين الذين تتلمذوا على يديها طوال عقود من العطاء الأكاديمي المتميز في كليات الفنون والتربية الفنية.
ولدت الفنانة الراحلة زينب السجيني في العشرين من أكتوبر عام 1930 بالعاصمة المصرية القاهرة، ونشأت في حي الظاهر العريق، وتنقلت في طفولتها بين أحياء مصر القديمة الساحرة مثل الجمالية والحسين والأزهر والنحاسين، وهي المناطق التي استلهمت منها روحها الفنية وبراعتها في تجسيد الهوية المصرية في لوحاتها، وبدأت مسيرتها الأكاديمية بحصولها على بكالوريوس كلية الفنون الجميلة قسم الفنون الزخرفية عام 1956، ثم تخرجت في المعهد العالي للتربية الفنية عام 1957، وواصلت شغفها العلمي حتى نالت درجة الدكتوراه في فلسفة التربية الفنية عام 1978، لتصبح من بعدها مرجعًا علميًا وفنيًا كبيرًا، حيث أشرفت وناقشت المئات من رسائل الماجستير والدكتوراه، تاركة بصمة أكاديمية واضحة في تطوير مناهج التربية الفنية وفلسفة الفن في الجامعات المصرية.
الجوائز والتكريمات الدولية
لم تكن زينب السجيني مجرد أستاذة أكاديمية، بل كانت فنانة تصوير من طراز رفيع، حيث استطاعت خلال مشوارها الطويل أن تحصد العديد من الجوائز المرموقة التي توجت مسيرتها الإبداعية، ولعل أبرز هذه التكريمات حصولها على الجائزة الأولى في التصوير من صالون القاهرة عام 1968 عن لوحتها الشهيرة "مأساة القدس"، والتي عكست من خلالها وعيها القومي والسياسي المبكر، كما نالت جائزة الدولة التشجيعية في التصوير ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1980، وهو أرفع تقدير تمنحه الدولة المصرية للمبدعين، بالإضافة إلى فوزها بجائزة الإعلان في بينالي الإسكندرية الثالث عام 1959، والجائزة الأولى في التصوير من بينالي القاهرة الدولي الرابع عام 1994، مما جعلها اسمًا لامعًا في المحافل الدولية والمعارض الفنية الكبرى التي مثلت فيها مصر خير تمثيل.
وفي عام 1999، صدر عنها كتاب تذكاري ونقدي بعنوان "زينب السجيني"، تضمن رصدًا شاملًا لمجموعة كبيرة من لوحاتها وصور أعمالها، إلى جانب دراسات نقدية معمقة كتبها زملاؤها من كبار الفنانين والنقاد، والذين أجمعوا على أن فنها يتميز بعمق إنساني وفلسفة خاصة في التعامل مع اللون والتكوين، وكانت السجيني تحرص دائمًا في أعمالها على إبراز جماليات الروح المصرية، خاصة في تصوير المرأة والطفولة والبيئة الشعبية، مما جعل لوحاتها مقتناة في كبرى المتاحف والمجموعات الخاصة حول العالم، ويظل تأثيرها في طلابها هو الجائزة الكبرى التي كانت تعتز بها، حيث غرست فيهم قيم البحث والابتكار والتمسك بالهوية، وهو ما جعل خبر وفاتها اليوم يمثل صدمة وحزنًا كبيرًا في نفوس كل من تعامل معها كفنانة أو كإنسانة اتسمت بالرقي والهدوء والوقار.
الوداع الأخير والأثر
بوفاة زينب السجيني، يسدل الستار على حياة واحدة من "راهبات الفن" اللواتي وهبن حياتهن للإبداع والتدريس، وتتجه الأنظار الآن نحو مراسم التشييع والعزاء التي من المتوقع أن تشهد حضورًا حاشدًا من قيادات وزارة الثقافة وأساتذة الجامعات والفنانين التشكيليين من مختلف الأجيال، لتقديم واجب العزاء في الفقيدة التي رحلت تاركة فراغًا كبيرًا في الساحة الفنية، وتؤكد ابنتها الدكتورة إيمان النشار أن والدتها ظلت محبة للفن حتى اللحظات الأخيرة، وأن أعمالها ستظل حية تروي قصة فنانة عشقت مصر ورسمت ملامحها بصدق وإخلاص، ويعد رحيلها في عام 2026 تذكيرًا بأهمية الحفاظ على إرث الرواد وتوثيق مسيراتهم لتكون نبراسًا للأجيال القادمة التي تطمح للوصول إلى مرتبة زينب السجيني في عالم الفن والجمال.
إن كلية التربية الفنية بجامعة حلوان، التي قضت فيها الراحلة معظم سنوات عمرها، ستظل تذكر "الدكتورة زينب" بكل فخر واعزاز، فهي التي لم تكن تبخل بعلمها أو خبرتها على أي طالب، وهي التي قادت ثورة في مفاهيم التربية الفنية وربطتها بالواقع الاجتماعي والثقافي، رحم الله الفنانة القديرة زينب السجيني، وألهم أسرتها ومحبيها في كل مكان الصبر والسلوان، وستبقى لوحاتها وقاعات المحاضرات التي شهدت صولاتها وجولاتها شاهدة على تاريخ حافل من العمل والاجتهاد والتميز الذي لا ينطفئ بمرور الزمن، بل يزداد توهجًا وقيمة مع كل جيل جديد يكتشف عبقرية هذه الفنانة الاستثنائية التي رحلت عن عالمنا اليوم جسدًا، وبقيت روحًا وإبداعًا خالدًا في ذاكرة الوطن.