< احتفالات أسبوع الآلام 2026.. توافد آلاف الأقباط على الكنائس للمشاركة في صلوات خميس العهد
متن نيوز

احتفالات أسبوع الآلام 2026.. توافد آلاف الأقباط على الكنائس للمشاركة في صلوات خميس العهد

تعبيرية
تعبيرية

تستعد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في كافة ربوع مصر والمهجر للاحتفال بيوم الخميس الموافق 9 أبريل لعام 2026 بما يعرف بـ "خميس العهد"، وهو اليوم الذي يحتل مكانة مركزية وفريدة ضمن فعاليات أسبوع الآلام، أقدس أسابيع السنة لدى المسيحيين، حيث تستعيد فيه الكنيسة بكل خشوع ورهبة ذكرى "العشاء الأخير" الذي جمع السيد المسيح بتلاميذه قبل لحظات من القبض عليه وتسليمه للمحاكمة، ويحمل هذا اليوم طابعًا روحيًا كثيفًا يمزج بين الفرح بتأسيس أهم الأسرار الكنسية وبين الحزن والترقب لآلام الصلب.

 وتتحول الكنائس في هذا اليوم إلى ساحات للصلاة والتأمل، حيث يحرص الأقباط على حضور القداسات الإلهية التي تبدأ منذ الصباح الباكر، متبعين طقوسًا ضاربة في القدم تعكس عمق الإيمان والارتباط بالتراث الكنسي الأول، معتبرين أن هذا اليوم هو نقطة التحول الكبرى في مسار أسبوع الآلام التي تسبق الجمعة العظيمة وسبت النور وصولًا إلى بهجة القيامة.

تأسيس سر "الإفخارستيا" والبعد الروحي للتناول المقدس

يمثل خميس العهد في العقيدة المسيحية ذكرى تأسيس سر التناول المقدس أو ما يعرف بـ "الإفخارستيا"، وهو أحد الأسرار السبعة الكنسية الجوهرية، فخلال العشاء الأخير، قام السيد المسيح بتقديم الخبز وعصير الكرمة لتلاميذه، موضحًا أنهما رمز لجسده ودمه اللذين سيقدمان فداءً للبشرية.

 ومنذ ذلك الحين تلتزم الكنائس بهذا الطقس كفعل ذكرى واتحاد روحي دائم، ويرى علماء اللاهوت أن هذا الحدث يمنح خميس العهد صبغة من القدسية الاستثنائية، حيث يجتمع المصلون في القداس الإلهي ليعيشوا اللحظات ذاتها التي عاشها التلاميذ الأوائل، مؤكدين على استمرارية العهد بين الله والإنسان، وتتزين الكنيسة في هذا اليوم بألحان فريدة تجمع بين النغمات الحزينة التي تناسب أسبوع الآلام والنغمات الفرايحية القصيرة التي تليق بتأسيس هذا السر العظيم، مما يخلق حالة من التوازن الروحي لدى المؤمنين المشاركين في الصلوات.

التواضع في أسمى صوره وتفاصيل طقس اللقان الفريد

أحد أبرز ملامح احتفالات خميس العهد هو تجسيد قيم التواضع والخدمة والمحبة الباذلة، فقبل البدء في العشاء الأخير، قام السيد المسيح بغسل أرجل تلاميذه في مشهد هز وجدان التاريخ البشري، ليعلمهم أن الرئاسة الحقيقية هي الخدمة وأن التواضع هو جوهر الإيمان، وتحيي الكنيسة القبطية هذا المشهد من خلال "طقس اللقان"، حيث يتم وضع وعاء كبير مملوء بالماء في وسط الكنيسة، وتُتلى عليه صلوات خاصة تطلب البركة والطهارة.

 وفي لفتة تذكارية مؤثرة، يقوم الأب البطريرك أو الأسقف أو الكاهن بربط فوطة حول خصره وغسل أرجل المصلين بالماء المصلّى عليه، في إشارة رمزية صريحة إلى غسل النفس من الخطايا والطهارة الروحية والتجديد الداخلي، وهو طقس لا يتكرر إلا ثلاث مرات فقط في السنة الكنسية، مما يجعله من أكثر اللحظات التي ينتظرها المصلون بلهفة وخشوع تام.

حضور جماهيري واسع وتأملات في رحلة الآلام

تشهد الكنائس المصرية خلال يوم الخميس 9 أبريل 2026 حضورًا واسعًا وغير مسبوق من جمهور الأقباط، حيث يحرص الرجال والنساء والأطفال على الانخراط في الصلوات والطقوس التي تستمر لساعات طويلة، ويعكس هذا الزحام رغبة المؤمنين في استلهام قيم المحبة والتواضع والخدمة من سيرة السيد المسيح خلال رحلته الأخيرة على الأرض.

 وتعد صلوات خميس العهد بمثابة وقفة مع النفس للمراجعة والتوبة، حيث يركز المصلون في تأملاتهم على معاني الصداقة والوفاء والتحذير من الخيانة، مستلهمين من موقف التلاميذ واجتماعهم حول معلمهم دروسًا في الثبات والتمسك بالحق، كما توفر الكنيسة عبر قراءاتها اليومية شرحًا وافيًا للأحداث التاريخية التي سبقت الصلب، مما يساعد المصلين على العيش بوجدانهم داخل أحداث أورشليم قبل ألفي عام.

محطة فاصلة قبل الجمعة العظيمة وعيد القيامة

يُعد خميس العهد المحطة الأخيرة الكبرى قبل الدخول في "ساعات الآلام" الطويلة يوم الجمعة العظيمة، فبعد انتهاء قداس خميس العهد، تتغير وتيرة الصلوات لتصبح أكثر تركيزًا على أحداث القبض على المسيح وبدء المحاكمات، وتستعد الكنائس عبر هذه الطقوس لختام أسبوع الآلام الروحي المهم، وصولًا إلى ذروة الاحتفالات في سبت النور وعيد القيامة المجيد.

 وتعتبر الكنيسة أن العبور عبر خميس العهد وتفاصيله المؤلمة والمقدسة هو شرط أساسي لفهم معنى القيامة والفداء، لذا يتم الاهتمام بكل تفصيلة صغيرة في هذا اليوم، بدءًا من ترتيب الصلوات وصولًا إلى الألحان القبطية العريقة التي تُشجي الآذان وتسمو بالأرواح إلى ملكوت السماوات، ليبقى خميس العهد ذكرى حية تتجدد كل عام لتبث في النفوس روح التواضع ونقاء السريرة.