بين السينما والدراما والتقديم التلفزيوني.. كيف خلدت إيناس النجار اسمها في أرشيف الفن؟
حلت أمس الذكرى السنوية الأولى لرحيل الممثلة التونسية الشابة إيناس النجار، التي فارقت عالمنا في مثل هذا اليوم من العام الماضي 2025، تاركة وراءها حالة من الحزن العميق في الأوساط الفنية المصرية والتونسية على حد سواء.
فقد غيب الموت الفنانة الراحلة عن عمر يناهز 41 عامًا فقط، وهو العمر الذي يمثل قمة العطاء الفني والنضج الإبداعي، وذلك إثر تعرضها لوعكة صحية شديدة تمثلت في التهاب حاد ومفاجئ في المرارة، أدى إلى تدهور حالتها الصحية بشكل متسارع ودخولها في غيبوبة عميقة استمرت لمدة خمسة أيام متواصلة قبل أن تفيض روحها إلى بارئها، وقد ووري جثمانها الثرى في مسقط رأسها بمدينة صفاقس التونسية، وسط حضور مهيب من محبيها وعائلتها الذين استذكروا ملامحها الهادئة وروحها الطيبة التي رافقتها طوال مسيرتها التي انطلقت من تونس لتستقر في قلب القاهرة، عاصمة الفن العربي.
النشأة والبدايات الفنية المبكرة
ولدت الفنانة الراحلة إيناس النجار في الثامن والعشرين من يونيو لعام 1983 في تونس، ونشأت على حب الفنون والجمال، مما دفعها لخوض غمار العمل الفني في سن مبكرة جدًا، حيث بدأت مسيرتها في عام 1999 وهي لا تزال في السادسة عشرة من عمرها، وكانت انطلاقتها الأولى من خلال العمل كعارضة في فيديو كليب أغنية "يا ترى" للمطرب المصري الشهير بهاء سلطان.
وهي الإطلالة التي لفتت إليها أنظار المخرجين بفضل كاريزمتها الخاصة ووجهها الذي يجمع بين الملامح العربية والتونسية الجذابة، ولم يمض وقت طويل حتى التقط موهبتها المخرج الراحل محمد النجار، الذي آمن بقدراتها الفنية الكامنة وقرر ترشيحها لأداء دور متميز في فيلم "ميدو مشاكل" أمام النجم أحمد حلمي، وهو الدور الذي كان بمثابة شهادة ميلادها الفنية الحقيقية في السينما المصرية، وفتح أمامها أبواب الشهرة والانتشار على نطاق واسع.
تنوع الإبداع بين السينما والدراما
لم تكتفِ إيناس النجار بالنجاح السينمائي، بل سعت جاهدة لتنويع أعمالها بين شاشة السينما وبلاتوهات الدراما التليفزيونية وحتى خشبات المسرح، فخلال مسيرة امتدت لأكثر من ربع قرن، شاركت في أكثر من 30 عملًا سينمائيًا، كانت فيها دائمًا عنصرًا فعالًا يضفي بهجة خاصة على الكادر.
ومن أبرز أفلامها التي لا تزال عالقة في أذهان الجمهور "فرقة بنات وبس"، وفيلم "كيمو وأنتيمو" مع الفنان الراحل عامر منيب، بالإضافة إلى مشاركتها المتميزة في فيلم "علي سبايسي" مع المطرب حكيم، أما في الدراما التليفزيونية، فقد حجزت لنفسها مكانًا وسط العمالقة، حيث شاركت في الجزء الثاني من المسلسل الشهير "العصيان" أمام الفنان الكبير محمود ياسين، وقدمت أدوارًا متنوعة في مسلسلات مثل "أم الصابرين" و"مزاد الشر"، الذي كان من آخر إسهاماتها الفنية قبل رحيلها، حيث أثبتت من خلاله قدرتها على تجسيد الأدوار المركبة والصعبة ببراعة لافتة.
تجربة التقديم التليفزيوني والوجه الإنساني
إلى جانب التمثيل، امتلكت إيناس النجار مهارات خطابية وحضورًا قويًا أهّلها لخوض تجربة التقديم التليفزيوني، ففي عام 2012، خاضت تجربة فريدة من نوعها من خلال تقديم برنامج "ملكة المطبخ"، وهو البرنامج الذي أظهر جانبًا آخر من شخصيتها المرحة والقريبة من قلوب ربات البيوت، حيث استطاعت من خلاله التواصل مع جمهورها بشكل مباشر وبعيدًا عن تقمص الشخصيات الدرامية، ويرى النقاد أن إيناس كانت تمتلك طاقة إيجابية كبيرة تنعكس على كل من يعمل معها، فكانت دائمًا ما توصف بالالتزام المهني والهدوء النفسي، ولم تفتعل الأزمات أو تدخل في صراعات الوسط الفني، بل ركزت كامل طاقتها على تطوير أدواتها كممثلة ومذيعة، وهو ما جعل رحيلها المفاجئ صدمة لم تستوعبها أسرتها والوسط الفني بسهولة، خاصة وأنها كانت تخطط لعدة مشاريع فنية جديدة قبل أن يباغتها المرض.
الأيام الأخيرة والوداع الصعب في صفاقس
شكلت الوعكة الصحية التي تعرضت لها إيناس النجار في مارس 2025 مفاجأة حزينة للجميع، فبعد شعورها بآلام حادة ناتجة عن التهاب المرارة، تطور الأمر بشكل دراماتيكي نتيجة مضاعفات طبية أدخلتها في حالة غيبوبة، ورغم محاولات الأطباء الحثيثة لإنقاذها، إلا أن إرادة الله كانت هي النافذة، لترحل في صمت في الحادي والثلاثين من مارس، وقد جرى نقل جثمانها في مراسم جنائزية مؤثرة إلى مسقط رأسها بمدينة صفاقس التونسية، تنفيذًا لوصيتها بالدفن في تراب وطنها الذي لم يغب عن وجدانها يومًا، وفي ذكراها الأولى، يستعيد الجمهور صورها وأعمالها، مؤكدين أن الموت وإن غيّب الجسد، فإن الفن الصادق يبقى حيًا يتجدد مع كل إطلالة لها على الشاشة، حيث تظل إيناس النجار نموذجًا للفنانة التي كافحت وصبرت من أجل تحقيق حلمها، ورحلت وهي في ربيع حياتها، تاركة خلفها سيرة طيبة ومكتبة فنية متنوعة.