< من "المليونيرة الصغيرة" إلى "الأقوياء".. رحلة رشدي أباظة مع الفن والحياة
متن نيوز

من "المليونيرة الصغيرة" إلى "الأقوياء".. رحلة رشدي أباظة مع الفن والحياة

رشدي اباظة
رشدي اباظة

يعد الفنان القدير رشدي أباظة، المولود في الثالث من أغسطس لعام 1926، ظاهرة فنية فريدة في تاريخ السينما المصرية والعربية، حيث لم يكن مجرد ممثل بارع، بل كان رمزًا للكاريزما والرجولة الطاغية التي منحته لقب "دنجوان السينما" بلا منازع، وينحدر أباظة من الأسرة الأباظية المصرية العريقة، وهي عائلة عرفت بثرائها ونفوذها، بينما تعود أصول والدته إلى إيطاليا، مما منحه مزيجًا ثقافيًا وجماليًا نادرًا انعكس على أدائه التمثيلي ولغاته المتعددة، ورغم أن طموحاته في البداية لم تكن تتجه نحو الفن، إلا أن ظهوره الأول أمام سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة في فيلم "المليونيرة الصغيرة" عام 1949، وضع قدمه على أول طريق النجومية التي استمرت لعقود من العطاء والتميز الإبداعي.

الحياة الفنية والتحول نحو أدوار البطولة المطلقة

بدأ رشدي أباظة مسيرته بأدوار صغيرة في أفلام هامة مثل "رد قلبي" و"جعلوني مجرمًا"، لكن الانطلاقة الحقيقية التي استرد بها نجوميته كانت في فيلم "امرأة في الطريق" عام 1958، حيث قدم أداءً عبقريًا تحت قيادة المخرج عز الدين ذو الفقار، ومن هنا انطلق ليقدم سلسلة من الروائع السينمائية التي تعد علامات في تاريخ الفن، مثل فيلم "جميلة" و"ملاك وشيطان" و"في بيتنا رجل" و"الرجل الثاني"، وقد تميز أباظة بقدرته الفائقة على التنوع بين الكوميديا الراقية كما في "الزوجة 13" و"صغيرة على الحب"، وبين الأدوار التراجيدية والسياسية المعقدة كما في "غروب وشروق" و"أريد حلًا"، مما جعله الممثل الأكثر طلبًا من قبل كبار المخرجين والمنتجين في العصر الذهبي للسينما.

تجربة العالمية والفرص الضائعة في هوليوود

امتلك رشدي أباظة مقومات النجم العالمي بامتياز، فقد كان يجيد خمس لغات بطلاقة وهي الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية والإسبانية، مما أهله للمشاركة في أفلام عالمية داخل مصر، حيث عمل "دوبليرًا" للنجم العالمي روبرت تايلور في فيلم "وادي الملوك"، وشارك في الفيلم الملحمي "الوصايا العشر" للمخرج سيسيل ديميل، وتشير التقارير الفنية إلى أن أباظة كان مرشحًا بقوة لغزو هوليوود قبل الفنان عمر الشريف، إلا أن تمسكه بحياته في مصر وارتباطاته الفنية والاجتماعية جعله يرفض العديد من العروض العالمية، ليظل نجمًا ساطعًا في سماء الشرق، مكتفيًا بما حققه من نجاحات مدوية في السينما العربية التي اعتبرته فتاها الأول لسنوات طويلة.

الحياة الشخصية والزيجات الخمس في مسيرة الدنجوان

عُرف عن رشدي أباظة تعدده للزيجات، حيث تزوج خمس مرات من وسط فني واجتماعي متنوع، بدأت بالفنانة تحية كاريوكا عام 1952، ثم "بربارا الأمريكية" التي أنجب منها ابنته الوحيدة "قسمت"، وتعد زيجته من الفنانة سامية جمال هي الأطول والأكثر استقرارًا، حيث استمرت قرابة 18 عامًا، كما تزوج من الشحرورة صباح لفترة وجيزة جدًا لم تتجاوز الأسبوعين، وكانت محطته الأخيرة مع ابنة عمه "نبيلة أباظة" التي ظلت معه حتى وفاته، وهذه التقلبات في حياته الخاصة كانت تعكس شخصيته العاطفية والمندفعة، والتي كانت مادة دسمة للصحافة الفنية آنذاك، لكنها لم تؤثر يومًا على شعبيته الجارفة لدى الجمهور الذي أحب صدقه وعفويته.

الأعمال السينمائية الخالدة وتنوع الأداء الدرامي

تجاوزت أعمال رشدي أباظة السينمائية 150 فيلمًا، تنوعت ما بين الأكشن والرومانسية والكوميديا السوداء، ففي فترة الستينيات قدم "آه من حواء" و"الساحرة الصغيرة" و"الطريق" المأخوذ عن رواية نجيب محفوظ، وفي السبعينيات واصل تألقه بتقديم أفلام ناضجة مثل "الحب الضائع" و"حكايتي مع الزمان" و"وراء الشمس"، ولم يكتفِ بالسينما بل شارك في أعمال درامية إذاعية وتلفزيونية قليلة لكنها مؤثرة مثل مسلسل "المارد"، وكان يتميز بحضور طاغٍ يطغى على كل من يقف أمامه من نجوم، بفضل صوته الرخيم ونظراته الحادة التي كانت تنقل مشاعر الشخصية دون حاجة للكثير من الكلام، وهو ما جعله أيقونة فنية لا تتكرر عبر الأجيال.

لحظة الرحيل الدرامية وكواليس فيلمه الأخير

رحل رشدي أباظة عن عالمنا في 27 يوليو 1980، بعد صراع أليم مع مرض سرطان الدماغ عن عمر يناهز 53 عامًا، وتأتي الدراما في وفاته من كونه فارق الحياة أثناء تصوير فيلمه الأخير "الأقوياء"، حيث سقط في أحد المشاهد أمام الفنان عزت العلايلي ولم يستطع إكمال العمل، مما اضطر المخرج للاستعانة بالفنان صلاح نظمي لتكملة المشاهد المتبقية من بعيد أو من زوايا غير مباشرة، وقد شيعته جنازة مهيبة تليق بمكانته في قلوب المصريين، ليبقى رشدي أباظة حتى يومنا هذا رمزًا للجمال الفني والرجولة، وتظل شخصيته محورًا للعديد من المسلسلات التي تناولت سيرته وسيرة زميلاته مثل مسلسلات "كاريوكا" و"الشحرورة" و"السندريلا".