"أنا زى القمر النهارده".. كلمات حليم الأخيرة لنهلة القدسي قبل دخول العمليات
تمر ذكرى رحيل العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ لتعيد إلى الأذهان تفاصيل واحدة من أكثر القصص الإنسانية درامية في تاريخ الفن العربي، حيث كشفت الدكتورة توحيدة ياسين عبد الغفار، ابنة الطبيب الشهير ياسين عبد الغفار المعالج للعندليب، عن كواليس لم تُنشر من قبل حول اليوم الأخير في حياة الأسطورة، ففي يوم الأربعاء الموافق 30 مارس عام 1977، وتحديدًا في تمام الساعة التاسعة والنصف صباحًا، بدأت فصول المشهد الختامي داخل الغرفة رقم 419 بالطابق الرابع بمستشفى "كنجز كوليدج" في العاصمة البريطانية لندن، حيث استيقظ حليم من نومه بعد رحلة نوم عميق استمرت 16 ساعة، ليبدأ يومه الأخير بطقوس بدت وكأنها وداع صامت للعالم الذي أحبه وأطربه لسنوات طويلة.
طقوس الوداع والتنبؤ بالرحيل
بدأ العندليب يومه بطلب "حمام" دافئ، ثم طلب من السفرجي الخاص والمرافق له تصفيف شعره بعناية فائقة، وفي تلك اللحظة نطق حليم بكلمات تقشعر لها الأبدان قائلًا: "احتمال يكون دي آخر مرة أشوفك فيها"، وكأنه كان يستشعر اقتراب الأجل، وفي غمرة هذه الأجواء، دخلت عليه السيدة نهلة القدسي، زوجة الموسيقار محمد عبد الوهاب، لترفع من روحه المعنوية قائلة له "أنت النهارده زي القمر"، فضحك حليم وطلب منها التقاط صورة له بالكاميرا الخاصة به، مؤكدًا أنها ستكون الصورة الأخيرة قبل إجراء العملية الجراحية التي كان يجهز لها، وهي الصورة التي وثقت ملامحه في اللحظات الأخيرة قبل أن تغيب شمسه عن الوجود.
الإصرار على الجراحة ومواجهة القدر
لم تكن الحالة الصحية للعندليب خافية عليه، فقد واجهه طبيبه الخاص "ويليام روجرز" بالحقيقة المرة، وهي أن الكبد أصبح تالفًا تمامًا وأن الجراحة المقررة تحمل مخاطرة كبيرة جدًا، ورغم محاولات الدكتور ياسين عبد الغفار لإقناعه بخطورة الموقف، إلا أن حليم أصر بصلابة على إجراء العملية، وكان حليم قد رفض في وقت سابق فكرة زراعة الكبد، مبررًا ذلك بأن نجاحها قد يضطره للتوقف عن الغناء، وهو ما لم يكن يقبله أبدًا، ففضل المخاطرة بالجراحة التقليدية قائلًا: "حعمل العملية بتاعة كل مرة حتى لو حموت"، مما يعكس مدى ارتباطه بفنه الذي كان يمثل له شريان الحياة الحقيقي قبل أي اعتبار طبي آخر.
التشاؤم ووصية العمروسي الأخيرة
لحظة نقل العندليب على "الترولي" للدخول إلى غرفة العمليات شهدت واقعة أثارت تشاؤمه الشديد، حيث سقط المصحف الصغير الذي كان يضعه دائمًا تحت مخدته على الأرض، وهو ما اعتبره حليم إشارة يقينية بنهايته، وبعد خروجه من غرفة العمليات بـ 40 دقيقة، عانى من آلام مبرحة وصرخات هزت أرجاء المستشفى، وفي تلك اللحظة الحرجة نادى على رفيق دربه مجدي العمروسي وسلمه وصيته المكتوبة بيده قائلًا: "نفذها يا مجدي ودي أمانة في رقبتك"، ولم تمضِ سوى نصف ساعة حتى انطلق جرس الإنذار معلنًا عن حدوث نزيف حاد من الفم، لتبدأ محاولات الأطباء اليائسة لإنقاذه عبر حقن الدم في الرقبة والجسد لتعويض الفاقد الكبير.
مشهد الختام ورحيل الأسطورة
تفاقمت الحالة بشكل دراماتيكي عندما حاول الأطباء استخدام جهاز عبارة عن "قربة" يبتلعها المريض لتنتفخ داخل المعدة وتسد أماكن النزيف، وحاول مجدي العمروسي تشجيعه قائلًا "ابلع يا حليم"، وبالفعل ابتلع نصفها لكن جسده الواهن لم يحتمل المزيد، لتصعد روحه إلى بارئها في تلك اللحظة، ومع وقوع الفاجعة، وصلت شقيقته "علية شبانة" التي استقبلت الخبر بصبر وإيمان، ودخلت لتلقي نظرة الوداع الأخيرة وتقوم بتغيير ملابسه وإلباسه جلبابًا نظيفًا، وفي تمام الساعة العاشرة مساءً من ذلك اليوم الحزين، سكت صوت العندليب الأسمر للأبد، مخلفًا وراءه إرثًا فنيًا لا يتكرر وحزنًا سكن قلوب الملايين من محبيه في كافة أرجاء الوطن العربي.
إرث العندليب الذي لا ينطفئ
رحل عبد الحليم حافظ جسدًا، لكنه بقى حيًا بأغانيه التي ما زالت تعبر عن مشاعر الحب والوطنية والوجع لدى الأجيال المتعاقبة، وتظل قصة وفاته في لندن شاهدًا على صراع الإنسان مع المرض وإصرار الفنان على العطاء حتى الرمق الأخير، فالعندليب لم يكن مجرد مطرب، بل كان حالة إنسانية فريدة جمعت بين الموهبة الفذة والمعاناة الطويلة، مما جعل من ذكرى رحيله موعدًا سنويًا لتجديد الوفاء لفنان أخلص لجمهوره فاستحق أن يظل "زي القمر" في ذاكرة التاريخ الفني، مخلدًا اسمه كأحد أهم أعمدة الموسيقى العربية في القرن العشرين.