من الحلوات إلى لندن.. مسيرة فنية تكللت بالوجع والخلود
كشفت أسرة الفنان المصري الراحل عبد الحليم حافظ، ولأول مرة منذ عقود طويلة، عن سر رسالة خاصة جدًا كانت ترافقه طيلة سنوات مرضه العجاف ولم تبارحه يومًا واحدًا حتى في أصعب لحظات النزيف والألم. ونشرت العائلة عبر حسابها الرسمي على منصة "فيسبوك" مساء أمس الأحد، صورة لورقة مكتوبة بخط يد "العندليب الأسمر" نفسه، تضم مجموعة من الأدعية المختارة والآيات القرآنية التي كان يداوم على قراءتها وتكرارها خلال فترة علاجه الطويلة.
هذه الورقة، التي تآكلت أطرافها بفعل الزمن، لم تكن مجرد قصاصة عادية بالنسبة لحليم، بل كانت تمثل قيمة روحية كبرى ومصدر طمأنينة نفسية، إذ اعتاد الاحتفاظ بها دومًا تحت وسادته في غرفة نومه بالقاهرة، أو في جيبه الخاص خلال رحلات سفره المتكررة للعلاج في العاصمة البريطانية لندن، وحتى أثناء إقامته الطويلة في غرف المستشفيات المعقمة، مما يعكس جانبًا إيمانيًا عميقًا في شخصية هذا الفنان الذي ملأ الدنيا بصوته وألحانه الرومانسية.
أسرار الترتيل المسائي وصوت حليم "الأحلى" بالقرآن
في تفاصيل مثيرة كشفت عنها الأسرة بناءً على إلحاح شديد من محبي العندليب لرؤية مقتنيات لم تُنشر من قبل، أوضحت العائلة أن الراحل عبد الحليم حافظ كان يمتلك طقسًا يوميًا ثابتًا لا يتنازل عنه، وهو قراءة القرآن الكريم باستمرار في المساء قبل النوم.
والمفاجأة التي أذهلت الكثيرين هي تأكيد أسرته أن صوته عند قراءة وترتيل القرآن كان "أحلى بأضعاف" من صوته عندما كان يغني أشهر أغانيه العاطفية والوطنية، حيث كان يضفي خشوعًا وإحساسًا فطريًا نابعًا من معاناته الشخصية ويقينه بالله.
وتضمنت الورقة التي كتبها العندليب بيده سورة الفاتحة وآية الكرسي، بالإضافة إلى مجموعة من الأدعية النبوية والمأثورة التي كان يلجأ إليها طلبًا للشفاء من داء البلهارسيا ومضاعفاته الخطيرة التي نهشت جسده النحيل منذ طفولته المبكرة، مما يجعل من هذه الورقة وثيقة إنسانية تبرهن على أن وراء النجومية الساطعة والبريق الفني كانت تقبع روح متصوفة تعتصم بالإيمان في مواجهة شبح الموت.
من الحلوات إلى لندن.. مسيرة فنية تكللت بالوجع والخلود
يُعد عبد الحليم حافظ أحد أهم رموز الغناء العربي في القرن العشرين، وهو الفنان الذي أحدث ثورة في الأغنية الرومانسية والوطنية بأسلوب تعبيري جديد كسر القواعد التقليدية لزمانه. وُلد حليم في 21 يونيو 1929 في قرية "الحلوات" بمحافظة الشرقية، وعاش حياة درامية منذ البداية حيث توفي والداه وهو لا يزال طفلًا صغيرًا، مما اضطره للعيش مع أقاربه في ظل ظروف صعبة ظهرت خلالها موهبته الغنائية الفذة مبكرًا.
إلا أن القدر لم يمنحه الصحة الكافية للاستمتاع بنجاحه، فقد عانى طوال حياته من مرض البلهارسيا اللعين الذي أصابه في طفولته من مياه الترع بقرية الحلوات، وتسبب له في تليف كبدي ونزيف متكرر، لينتهي به المطاف بالوفاة في 30 مارس 1977 في مستشفى "كينجز كوليدج" بلندن بعد صراع أسطوري مع المرض. ورغم رحيله المبكر في عمر السابعة والأربعين، إلا أن صورته وهو يحتضن ورقة الأدعية أو يرتل القرآن في غرفته تظل تجسيدًا لأسطورة فنية وإنسانية لم تتكرر في الوجدان العربي حتى يومنا هذا.