هل يحسم الحرس الثوري اختيار خليفة لاريجاني؟.. البحث عن "خلفية عسكرية" للمنصب
تتجه الأنظار اليوم الأربعاء 18 مارس 2026 إلى العاصمة الإيرانية طهران، حيث يسود ترقب واسع النطاق حول هوية المرشح الجديد لخلافة علي لاريجاني في منصب مستشار الأمن القومي، وهو المنصب الذي يعد المحرك الرئيسي للسياسة الخارجية والأمنية في البلاد، وتأتي هذه التطورات بعد مقتل لاريجاني الذي كان يوصف بأنه "أهم صانع قرار" وشخصية وسطية عملية قادرة على المناورة، ووفقًا لتقارير دولية، فإن مهمة استبداله لن تكون سهلة على الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، الذي يمتلك الصلاحية القانونية لتعيين المستشار الجديد، وسط ضغوط من التيارات المتشددة والحرس الثوري، وتبرز التكهنات بقوة حول اسم "سعيد جليلي"، الشخصية النافذة وممثل المرشد في المجلس الأعلى للأمن القومي، ليكون الوريث المحتمل لهذا المنصب الحاسم، مما ينذر بتحول جذري في تعامل إيران مع الملفات الدولية الساخنة وعلى رأسها الصراع مع إسرائيل والولايات المتحدة.
إن اختيار سعيد جليلي، المعروف بصلابته الأيديولوجية وعدائه المطلق للغرب، يمثل رسالة تصعيد واضحة من النظام الإيراني، حيث ارتبط اسمه دائمًا برؤية ترفض الانفتاح السياسي أو التفاوض النووي المرن، جليلي الذي بدأ حياته الدبلوماسية عام 1989 وتدرج في المناصب وصولًا إلى رئاسة فريق التفاوض النووي في عهد أحمدي نجاد، يمثل "الصندوق الأسود" للتيار المتشدد، ويرى مراقبون أن عودته لمنصب مستشار الأمن القومي ستنهي حقبة "البراجماتية" التي كان يمثلها لاريجاني، وتضع البلاد على مسار مواجهة مباشرة أكثر حدة، خاصة في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها المنطقة، حيث يلعب مجلس الأمن القومي دورًا محوريًا في تحديد موازين القوى الداخلية وموقف طهران من أي مفاوضات محتملة لإنهاء الحروب المشتعلة.
سعيد جليلي: مسيرة من التشدد والولاء المطلق
يعد سعيد جليلي أكثر من مجرد سياسي محافظ، فهو يمثل الجناح الأكثر تطرفًا في بنية النظام الإيراني، حيث يشغل عضوية مجلس تشخيص مصلحة النظام وممثلية المرشد الأعلى علي خامنئي في المجلس الأعلى للأمن القومي منذ عام 2008، تاريخ جليلي حافل بالمواقف المتصلبة، فقد كان الرجل الذي قاد المفاوضات النووية لسنوات دون تقديم تنازلات تذكر، قبل أن يطيح به حسن روحاني في عام 2013 ليعين مكانه علي شمخاني، ويؤكد المحللون أن جليلي يفتقر إلى المرونة التي كان يتمتع بها سلفه لاريجاني، وهو ما قد يصبح "نقطة ضعف" للنظام في حال رغب في تجاوز المآزق الحرجة أو فك العزلة الدولية، إذ يميل جليلي إلى لغة "المقاومة" والوعيد، وهو ما ظهر بوضوح في رسالته الأخيرة بعد مقتل لاريجاني، حيث توعد "العدو الضعيف" بالهزيمة والإذلال.
وعلى الصعيد الداخلي، خاض جليلي غمار الانتخابات الرئاسية في عامي 2013 و2021، وكان دائمًا المرشح المفضل للتيارات العقائدية، لكنه استقال في المرة الأخيرة لصالح إبراهيم رئيسي لضمان وحدة صف المحافظين، ويرى خبراء في الشؤون الإيرانية أن الحرس الثوري، الذي يمسك بزمام السلطة الفعلية اليوم، قد يبارك تعيين جليلي نظرًا لتقاطع الرؤى بينهما حول ضرورة التشدد في وجه التهديدات الخارجية، ومع ذلك، تظل هناك تساؤلات حول مدى قدرة شخصية بملامح جليلي على إدارة ملفات معقدة تتطلب "دبلوماسية خلفية" وهدوءًا، وهو ما كان يتقنه لاريجاني ببراعة، مما يجعل منصب مستشار الأمن القومي القادم بمثابة "بوصلة" ستحدد اتجاه إيران في السنوات القادمة؛ إما نحو الانفجار أو نحو تسويات اضطرارية.
مستقبل السياسة الإيرانية في ظل التعيين المرتقب
سيلعب من يخلف لاريجاني دورًا محوريًا في صياغة موقف إيران تجاه إسرائيل والولايات المتحدة، خاصة في ظل التوترات المتزايدة والمواجهات العسكرية غير المباشرة، فإذا ما استقر القرار على سعيد جليلي، فإن ذلك يعني بالضرورة إغلاق أبواب التفاوض الدبلوماسي التقليدي والاعتماد على استراتيجية "حافة الهاوية"، ويشير مؤرخون ومحللون سياسيون إلى أن لاريجاني كان يُنظر إليه كشخصية قادرة على إيجاد مخارج للمآزق السياسية، بينما جليلي قد يقود النظام نحو مزيد من الانغلاق، مما قد يضعف قدرة طهران على المناورة في ملفات إنهاء الحروب الإقليمية، إن الصراع الحالي في طهران ليس مجرد استبدال أسماء، بل هو صراع على "هوية" الدور الإيراني القادم في المنطقة.
ختامًا، يظل ترشيح سعيد جليلي لخلافة علي لاريجاني اختبارًا حقيقيًا لرؤية المرشد الأعلى ومستقبل التوازن بين الرئاسة "الإصلاحية" التي يمثلها بيزشكيان والتيارات "المتشددة" التي تسيطر على مفاصل الدولة، فهل يرضخ بيزشكيان لضغوط المتشددين ويعين جليلي، أم سيبحث عن شخصية "ثالثة" تجمع بين الخبرة العسكرية والقدرة الدبلوماسية؟ الأيام القليلة القادمة ستكشف عن الوجه الجديد للأمن القومي الإيراني، وهو الوجه الذي سيحدد مصير الاتفاقات الدولية، واستقرار المنطقة، وفرص السلم والحرب في ظل ظروف هي الأكثر تعقيدًا منذ عقود.