حسام أو ي يحذر من "دورة الاستدانة": لا يمكن تدوير الديون القديمة بفوائد ديون جديدة للأبد
قدم الدكتور حسام بدراوي، المفكر السياسي المرموق، قراءة نقدية مغايرة لملف الديون السيادية في مصر خلال حواره الأخير مع منصة "CNN الاقتصادية"، مؤكدًا أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في مبدأ الاقتراض بحد ذاته، حيث إن كبرى القوى الاقتصادية العالمية تعتمد على القروض كأداة تمويلية لتوسيع القاعدة الإنتاجية، بل تكمن المشكلة في آليات توظيف هذه الأموال وغياب العائد الملموس الذي يضمن استدامة الاقتصاد.
ويفرق بدراوي بوضوح شديد بين ديون تُستخدم لبناء مشروعات تخلق قيمة مضافة حقيقية وقدرة ذاتية على السداد في المستقبل، وبين تلك التي تُستهلك في تغطية المصروفات الجارية أو تدوير الديون القديمة، معتبرًا أن هذا المسار الأخير يمثل دائرة خطر تضع ضغوطًا هائلة على ميزانية الدولة وتستنزف مواردها.
وبالرغم من تثمينه لمشاريع البنية التحتية كشرط لا غنى عنه لأي نهضة تنموية، إلا أنه يشدد على وجوب إخضاع كل مليم يُنفق لمنظومة محاسبية ورقابية مستقلة تمنع الهدر، وتضمن توجيه الاستثمارات العامة نحو قطاعات الصناعة والزراعة والتكنولوجيا الفائقة، بما يسهم في زيادة حجم الاقتصاد وخلق فرص عمل حقيقية تتجاوز الحلول المؤقتة.
الترابط بين القرار السياسي والنمو الاقتصادي
ينطلق الدكتور بدراوي في تحليله ليربط بين نجاح المنظومة الاقتصادية واستقرار البناء السياسي برابط عضوي لا ينفصم، موضحًا أن السياسة هي المحرك الأول لكل القرارات المالية الكبرى، وأن غياب الفصل الحقيقي والفعلي بين السلطات يضعف جودة المخرجات الاقتصادية وتنافسية الدولة، إذ لا يمكن لجهة تنفيذية أن تلعب دور الخصم والحكم والمحاسب في آن واحد دون وجود رقابة مستقلة.
ويرى بدراوي أن تفعيل الدور الرقابي للبرلمان وتمكين الإعلام من ممارسة دوره كرقيب مجتمعي نزيه ليسا من قبيل الرفاهية السياسية، بل هما ضمانة استراتيجية لكفاءة تخصيص الموارد وجذب المستثمر المحلي والأجنبي الذي يبحث دائمًا عن بيئة تتسم بالشفافية والوضوح.
وفيما يخص بيئة الأعمال، يطالب بدراوي الدولة بالانتقال من الوعود اللفظية لدعم القطاع الخاص إلى تطبيق "الحياد التنافسي" الفعلي على أرض الواقع، لضمان عدم وجود امتيازات استثنائية أو تنظيمية لجهات تابعة للدولة على حساب المستثمر المستقل، مع ضرورة إصلاح المنظومة الضريبية لتصبح تلقائية وعادلة، مما يغلق أبواب الفساد والتقديرات الجزافية التي تعيق الإنتاج.
إعادة صياغة التعليم والتحول نحو اللامركزية الرقمية
في الملف التعليمي، الذي يعد ركيزة أساسية في فكره الاستراتيجي، يطرح بدراوي رؤية تمزج بين التطوير الميداني والتخطيط بعيد المدى المستند لـ "رؤية مصر 2030"، مؤكدًا أن العبرة ليست بجمال النصوص المكتوبة بل بتحويلها لبرامج عمل حقيقية محددة بجدول زمني وتكلفة مالية وآليات قياس دقيقة لا تقبل التأويل.
ويضع بدراوي يده على الأزمة الهيكلية المزمنة، مشيرًا إلى أن إدارة أكثر من خمسة وخمسين ألف مدرسة من خلال قبضة مركزية من القاهرة هو أمر يتنافى مع كل أصول المنطق الإداري الحديث، وأن الحل الجذري يكمن في "اللامركزية" التي تمنح المدرسة استقلالية مالية وإدارية كاملة لتتحول إلى وحدة نجاح مرتبطة ببيئتها المحلية.
كما يحذر بدراوي من أن المستقبل الرقمي وتقنيات الذكاء الاصطناعي لن ترحم المتقاعسين أو المعتمدين على أساليب التلقين القديمة، مما يفرض الاستثمار في البنية التحتية للإنترنت كأصل تعليمي أساسي، مع التركيز العميق على "صناعة الشخصية" المنفتحة والمبدعة، مطالبًا بأن تخصص المدارس مساحات أكبر للفن والرياضة والبحث العلمي، معتبرًا أن الدروس الخصوصية هي مجرد "عرض" لمرض تعليمي فقد بوصلته.
التنمية الإنسانية والبوصلة الأخلاقية للمستقبل
يختتم الدكتور حسام بدراوي رؤيته الشاملة برسم خريطة طريق واضحة لمستقبل الدولة، واضعًا "التنمية الإنسانية" كأولوية قصوى تتصدر كافة الملفات، تليها ضرورة ضبط ملف الاستدانة الخارجية وتنمية الموارد المحلية عبر تحفيز الإنتاج الحقيقي لسداد الالتزامات المتراكمة.
ويؤكد بدراوي على أهمية بناء منظومة عدالة ناجزة وسريعة تضمن حقوق الأفراد والمستثمرين، وتطبيق مواد الدستور بروح عصرية تضمن حرية التعبير وتداول السلطة واللامركزية كضمانات حقيقية لاستقرار المجتمع على المدى الطويل.
وفي رسالته الموجهة للشباب، يحثهم بدراوي على التسلح بالعلم النافع والمرونة في التعلم والجرأة على البحث والشك المعرفي، مع التمسك الصارم بالبوصلة الأخلاقية والقيم الإنسانية، مؤكدًا من واقع تجربته الاحترافية الطويلة أن النجاح المستدام يتطلب فصل الملكية عن الإدارة والقدرة على اتخاذ قرارات مهنية بعيدة عن العواطف تجاه الشركات أو الأصول.
إن رسالة بدراوي النهائية تتلخص في أن قوة الدولة الحقيقية ومنعتها تنبع من إنسان متعلم، حر، ومنصف، يعيش في ظل منظومة قانونية تحترم الكفاءة وتضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار خاص.