< اضطرابات الأسواق العالمية.. قراءة في افتتاحية "فاينانشيال تايمز" حول الملف الإيراني
متن نيوز

اضطرابات الأسواق العالمية.. قراءة في افتتاحية "فاينانشيال تايمز" حول الملف الإيراني

اضطرابات الأسواق
اضطرابات الأسواق العالمية

أطلقت صحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية العريقة في افتتاحيتها الصادرة اليوم الأربعاء، 11 مارس 2026، تحذيرات شديدة اللهجة من مغبة استمرار العمليات العسكرية والتصعيد الحربي ضد إيران، مؤكدة أن هذا الصراع المفتوح مرشح لإشعال أزمة طاقة عالمية تتجاوز في حدتها كافة الأزمات السابقة التي شهدها العقد الأخير. 

ورأت الصحيفة أن استهداف المنشآت الحيوية أو تهديد طرق الملاحة في مضيق هرمز سيؤدي حتمًا إلى قفزات جنونية في أسعار النفط والغاز، مما يضع الاقتصاد العالمي، المتعافي حديثًا، في مواجهة مباشرة مع موجة تضخم كاسحة قد لا تستطيع القوى الكبرى احتواءها. 

إن هذا السيناريو القاتم لا يتوقف عند حدود منطقة الشرق الأوسط، بل يمتد ليشمل شللًا في سلاسل التوريد الدولية، وزيادة مضاعفة في تكاليف الإنتاج والشحن، مما يهدد بدخول دول صناعية كبرى في نفق الركود الاقتصادي العميق، نتيجة الاعتماد الكلي على استقرار تدفقات الطاقة من منطقة الخليج العربي التي باتت اليوم بؤرة ملتهبة للنزاعات المسلحة.

الحسابات السياسية للرئيس ترامب

على الصعيد السياسي، حللت "فاينانشيال تايمز" انعكاسات هذا التصعيد العسكري على الداخل الأمريكي، وتحديدًا على إدارة الرئيس دونالد ترامب الذي يجد نفسه اليوم أمام موازنة حرجة بين طموحاته في "تأديب" طهران وبين الحفاظ على استقراره السياسي.

 وأوضحت الصحيفة أن استمرار الحرب وتسببها في رفع أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة سيعرض الحزب الجمهوري لضغوط هائلة وغير مسبوقة قبل انتخابات التجديد النصفي المرتقبة، حيث يمثل سعر "جالون البنزين" المحرك الأساسي لتوجهات الناخب الأمريكي.

 ورأت الافتتاحية أن الخصوم السياسيين لترامب سيستغلون أي اضطراب اقتصادي ناتج عن المغامرات العسكرية لتقويض شعبيته، مما يجعل من استمرار الحرب "مقامرة سياسية" قد تفقد الجمهوريين سيطرتهم على الكونجرس، خاصة إذا تحولت المواجهة العسكرية إلى حرب استنزاف طويلة الأمد تستنزف الموارد المالية والبشرية وتنعكس سلبًا على معيشة المواطن الأمريكي البسيط الذي يخشى الانزلاق مجددًا في صراعات خارجية لا تنتهي.

صعوبة الخروج من المستنقع الإيراني

تابعت "فاينانشيال تايمز" رؤيتها التحليلية بالتأكيد على أن خروج واشنطن من أتون حرب مع إيران لن يكون بالسهولة أو اليسر الذي قد تصوره بعض التقارير الاستخباراتية أو العسكرية المتفائلة. وحذرت الصحيفة من "فخ الغرور" الذي قد يقع فيه صانع القرار الأمريكي، مشيرة إلى أن إيران تمتلك أوراق ضغط إقليمية وشبكة من الوكلاء القادرين على تحويل أي مواجهة مباشرة إلى فوضى شاملة تعم المنطقة بأسرها.

 وتوقعت الصحيفة أن تفاقم الهجمات الأمريكية والإسرائيلية المنسقة على البنى التحتية الإيرانية من حالة "اضطراب الأسواق" العالمية، ليس فقط بسبب نقص المعروض النفطي، بل وبسبب حالة "عدم اليقين" التي تسود الأوساط الاستثمارية العالمية.

 إن الطبيعة الجغرافية والجيوسياسية لإيران تجعل من أي عملية عسكرية ضدها "صندوق باندورا" الذي بمجرد فتحه، سيصعب إغلاقه دون تقديم أثمان باهظة تمس جوهر الأمن القومي الأمريكي ومصالح حلفائها في المنطقة، وهو ما يتطلب إعادة نظر فورية في استراتيجية "الضغط الأقصى" العسكري المتبعة حاليًا.

تداعيات الضربات الإسرائيلية المنسقة

في سياق متصل، رصد التقرير التحليلي للصحيفة الدور الإسرائيلي المتصاعد في هذا النزاع، حيث رأت أن التنسيق عالي المستوى بين واشنطن وتل أبيب في تنفيذ ضربات جراحية أو شاملة ضد أهداف إيرانية يسرع من وتيرة الانفجار الإقليمي. 

وأشارت "فاينانشيال تايمز" إلى أن هذه الهجمات، وإن كانت تهدف إلى شل القدرات النووية أو الصاروخية لطهران، إلا أنها في الواقع تزيد من حدة الاضطرابات في أسواق المال العالمية التي تتفاعل بحساسية مفرطة مع أي أخبار تتعلق بسلامة المنشآت النفطية في الشرق الأوسط. 

إن الخبراء الاقتصاديين الذين استندت إليهم الصحيفة يؤكدون أن "علاوة المخاطر" السياسية بدأت تظهر بوضوح في أسعار الذهب والعملات الملاذات الآمنة، مما يشير إلى أن المستثمرين بدأوا بالفعل في التحوط لسيناريو الحرب الشاملة. هذا المناخ المتوتر يضعف من فرص الاستثمار في المشاريع التنموية الكبرى ويحول التدفقات النقدية نحو الإنفاق العسكري والتسلح، مما يجهض آمال النمو المستدام في منطقة هي بأمس الحاجة للاستقرار لاقتناص الفرص الاقتصادية المستقبلية.

وتخلص "فاينانشيال تايمز" إلى أن استمرار النهج العسكري الحالي ضد إيران سيقود العالم حتمًا إلى طريق مسدود، حيث الخاسر الأكبر هو الاقتصاد العالمي والمواطن في كل مكان.

 وترى الصحيفة أن البديل عن هذه الحرب المستعرة يجب أن يكون عبر العودة إلى طاولة المفاوضات بأسس جديدة تضمن أمن الطاقة العالمي وتحيد الأطماع العسكرية لكافة الأطراف. 

إن الكرة الآن في ملعب البيت الأبيض وإدارة ترامب لاتخاذ قرارات تتسم بالحكمة والتروي، بعيدًا عن ضغوط اللوبيات الحربية، لتجنب حدوث انهيار اقتصادي قد يغير شكل الخارطة السياسية العالمية لعقود قادمة. إن التحذير الذي أطلقته "فاينانشيال تايمز" اليوم ليس مجرد قراءة صحفية، بل هو صرخة تنبيه للقادة السياسيين بأن تكلفة الحرب الاقتصادية والسياسية قد تكون أكبر بكثير من أي مكاسب ميدانية عابرة، وأن استقرار سوق الطاقة هو الضمانة الوحيدة للحفاظ على السلم والأمن الدوليين في عام 2026 وما بعده.