تسريبات "أكسيوس": هل يخطط ترامب لعملية برية محدودة داخل الأراضي الإيرانية؟
كشفت تقارير استخباراتية وصحفية رفيعة المستوى عن تصاعد وتيرة النقاشات داخل أروقة السياسة الأمريكية حول طبيعة المرحلة المقبلة من التصعيد العسكري مع إيران، حيث نقل مسؤولون أمريكيون حاليون وسابقون أن الرئيس دونالد ترامب بدأ يبدي "اهتمامًا جديًا وخاصًا" بفكرة نشر قوات برية داخل الأراضي الإيرانية.
هذه التطورات، التي كشف عنها موقع "أكسيوس"، تشير إلى تحول جذري في التفكير الاستراتيجي للإدارة الأمريكية، التي كانت تعتمد حتى الآن على القصف الجوي والضغط الاقتصادي، حيث بدأ ترامب في مناقشة إمكانية تنفيذ عمليات برية محددة تهدف إلى تغيير موازين القوى على الأرض، مستلهمًا في ذلك النموذج الذي حاولت واشنطن تطبيقه في فنزويلا للإطاحة بالنظام القائم هناك وتأسيس سلطة جديدة تتماشى مع المصالح الأمريكية الحيوية في المنطقة.
وحدات استراتيجية صغيرة: ملامح الخيار العسكري الجديد
وفقًا للتسريبات الواردة من مساعدين ومسؤولين جمهوريين مقربين من البيت الأبيض، فإن رؤية الرئيس ترامب لا تهدف إلى شن غزو بري واسع النطاق على غرار ما حدث في العراق عام 2003، بل تركز بشكل دقيق على نشر "وحدات صغيرة من القوات الأمريكية" يتم استخدامها لأغراض استراتيجية محددة جدًا.
هذه الوحدات قد توكل إليها مهام لا يمكن لسلاح الجو القيام بها، مثل اقتحام منشآت حصينة تحت الأرض، أو تنفيذ غارات خاطفة على مراكز قيادة وسيطرة حساسة، ثم الانسحاب الفوري لتجنب الاستنزاف الطويل. ورغم أن هذه المناقشات بلغت مستويات متقدمة في الغرف المغلقة، إلا أن المسؤولين أكدوا أن الرئيس لم يتخذ حتى اللحظة أي قرار رسمي أو يصدر أوامر تنفيذية للبنتاغون لبدء التحرك، مما يترك الباب مفتوحًا أمام احتمالات التراجع أو التصعيد بناءً على مجريات الأحداث الميدانية.
البيت الأبيض ينفي: خيارات مفتوحة ومصادر مشكوك فيها
في المقابل، سارعت الإدارة الأمريكية إلى احتواء تداعيات هذه التسريبات، حيث أصدرت السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض، كارولين ليفيت، بيانًا حازمًا نفت فيه صحة التقارير المتداولة، واصفة إياها بأنها مبنية على افتراضات من مصادر مجهولة لا تنتمي لفريق الأمن القومي الرسمي التابع للرئيس.
وأوضحت ليفيت أن الرئيس ترامب يتبنى دائمًا مبدأ "إبقاء جميع الخيارات على الطاولة" كأداة للردع الاستراتيجي، مشيرة إلى أن أي محاولة للتلميح بتفضيله لخيار عسكري معين على حساب آخر هي محاولة للتشويش على السياسة الخارجية الرسمية. هذا النفي الدبلوماسي لم يمنع المراقبين من الربط بين هذه النقاشات وبين الخسائر البشرية التي تعرضت لها القوات الأمريكية مؤخرًا، مما قد يشكل ضغطًا سياسيًا داخليًا يدفع نحو رد فعل عسكري أكثر حسمًا وتأثيرًا من مجرد الغارات الجوية التقليدية.
نموذج فنزويلا: النفط والسياسة في رؤية ترامب لما بعد الحرب
تكمن المفاجأة الأكبر في التقارير المنشورة حول وصف ترامب لرؤيته المثالية لإيران في مرحلة ما بعد الحرب، حيث يطمح لتكرار السيناريو الفنزويلي من خلال دعم قيادة جديدة تتولى السلطة، مع الإشارة إلى أسماء مثل "ديلسي رودريغيز" كنموذج للقيادات التي يمكن التعامل معها بشرط تنفيذ سياسات تخدم المصالح القومية الأمريكية. وتركز هذه الرؤية بشكل أساسي على الاستفادة من الثروات النفطية الهائلة، تمامًا كما هي الخطة تجاه النفط الفنزويلي، لضمان استقرار إمدادات الطاقة العالمية تحت إشراف أمريكي.
ويرى خبراء أن هذا الربط بين الملفين الإيراني والفنزويلي يعكس عقلية ترامب "البراغماتية" التي تبحث عن مكاسب اقتصادية ملموسة مقابل التحركات العسكرية المكلفة، مما يجعل من السيطرة على موارد الطاقة هدفًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن تحييد البرنامج النووي أو الصاروخي الإيراني.
تطورات الميدان 2026: الهجمات المضادة تفرض واقعًا جديدًا
تأتي هذه النقاشات العسكرية المحتدمة في وقت يواجه فيه البنتاغون وضعًا ميدانيًا متأزمًا، حيث أعلن رسميًا عن مقتل 6 جنود أمريكيين وإصابة 18 آخرين منذ اندلاع المواجهات المباشرة في 28 فبراير 2026، نتيجة سلسلة من الهجمات المضادة النوعية التي نفذتها إيران ضد القواعد والتحركات الأمريكية في المنطقة. هذه الخسائر البشرية، التي تزامنت مع اقتصار العمليات الأمريكية على القصف الجوي فقط، أثارت تساؤلات جدية داخل دوائر صنع القرار حول جدوى الاكتفاء بالخيار الجوي.
ويشير الخبراء العسكريون إلى أن "عمليات الاقتحام الخاصة" قد تصبح ضرورة ملحة للوصول إلى أهداف عسكرية نوعية محمية بشكل طبيعي أو اصطناعي لا تؤثر فيها الصواريخ الموجهة، مما يعزز فرضية أن الحديث عن القوات البرية ليس مجرد مناورة سياسية، بل هو خيار عملياتي يدرسه القادة العسكريون لمواجهة التكتيكات الإيرانية المتطورة.
مستقبل المواجهة بين الدبلوماسية والبارود
ختامًا، يبدو أن الصراع الأمريكي الإيراني في عام 2026 قد دخل مرحلة اللاعودة إلى التهدئة التقليدية، حيث تتأرجح المنطقة بين رغبة ترامب في تحقيق نصر سريع وحاسم عبر قوات خاصة محدودة، وبين مخاطر الانزلاق إلى حرب برية شاملة قد تحرق الأخضر واليابس.
إن تسريبات "أكسيوس" والرد الرسمي من البيت الأبيض تعكس حالة من الانقسام أو ربما "توزيع الأدوار" داخل الإدارة الأمريكية، في محاولة لممارسة أقصى درجات الضغط النفسي على طهران. وسواء قرر ترامب تفعيل "وحداته الصغيرة" أو استمر في نهج القصف الجوي، فإن الحقيقة الثابتة هي أن شكل الشرق الأوسط يتشكل الآن في الغرف المغلقة بواشنطن، بانتظار اللحظة التي قد يتحول فيها النقاش النظري إلى واقع ميداني يغير وجه المنطقة لسنوات طويلة قادمة.