إرث ياسر صادق الفني.. كيف أدار المركز القومي للمسرح ونهض بمتاحفه؟
خيمت حالة من الحزن الشديد على الوسط الفني المصري، اليوم، عقب إعلان خبر وفاة الفنان والمخرج القدير ياسر صادق، عن عمر ناهز 63 عامًا، بعد صراع مرير مع المرض استمر لعدة أسابيع.
وجاء الخبر كالصاعقة على زملائه ومحبيه، خاصة بعد تدهور حالته الصحية في الآونة الأخيرة ونقله إلى العناية المركزة بأحد المستشفيات الكبرى بالقاهرة. لم يكن ياسر صادق مجرد ممثل أو مخرج عابر في تاريخ الفن المصري، بل كان رمزًا للإخلاص والتفاني، حيث كرس حياته لخدمة المسرح المصري والنهوض بالثقافة، تاركًا خلفه بصمة واضحة لا تمحى، سواء من خلال أدواره التمثيلية التي تميزت بالرصانة أو من خلال مناصبه القيادية التي أدارها بكفاءة واقتدار، ليرحل اليوم تاركًا إرثًا فنيًا وسيرة عطرة ستظل تلهم الأجيال القادمة من المبدعين والمسرحيين.
نعي مؤثر من رفيق الدرب منير مكرم
كان الفنان منير مكرم، عضو مجلس إدارة نقابة المهن التمثيلية ورفيق درب الراحل، هو أول من أعلن الخبر الأليم عبر حساباته الرسمية على منصات التواصل الاجتماعي. ونشر منير مكرم صورة للفنان الراحل ياسر صادق، معلقًا بكلمات تقطر حزنًا وأسى: "ستظل معي حتى نلتقي، الدوام لله، ياسر صادق، أخي وصديقي عمري". عكست هذه الكلمات عمق العلاقة الإنسانية والمهنية التي جمعت بين النجمين على مدار سنوات طويلة، حيث كان الراحل يمثل السند والصديق الوفي في كافة المحافل.
وتفاعل مئات الفنانين والمتابعين مع المنشور، مقدمين التعازي والمواساة للأسرة الفنية ولعائلة الفقيد، مؤكدين أن غيابه يمثل خسارة فادحة للمسرح والدراما المصرية التي كان الراحل أحد فرسانها المخلصين والغيورين على جودة المحتوى الفني المقدم للجمهور.
اللحظات الأخيرة وصراع ياسر صادق مع المرض
شهدت الأسابيع القليلة الماضية تراجعًا ملحوظًا في الحالة الصحية للفنان ياسر صادق، حيث عانى من أزمة صحية شديدة استلزمت دخوله إلى أحد المستشفيات بشكل عاجل. وبالرغم من التكتم النسبي على تفاصيل مرضه احترامًا لخصوصيته، إلا أن المقربين أكدوا أنه دخل في غيبوبة متقطعة داخل غرفة العناية المركزة، حيث حاول الأطباء جاهدين السيطرة على تدهور وظائف الجسم الحيوية، ولكن إرادة الله كانت هي الغالبة.
وخلال فترة تواجده بالمستشفى، لم ينقطع زملاؤه من أعضاء نقابة المهن التمثيلية عن زيارته ومتابعة حالته لحظة بلحظة، بتكليف مباشر من الفنان أشرف زكي، نقيب المهن التمثيلية، الذي كان يحرص على توفير كافة سبل الرعاية الطبية اللازمة للراحل، تقديرًا لمكانته وتاريخه المشرف في العمل النقابي والفني.
مسيرة حافلة بالإنجازات بين التمثيل والإدارة
ياسر صادق، المولود في عام 1963، بدأ مشواره الفني بشغف كبير للمسرح، حيث تخرج من المعهد العالي للفنون المسرحية ليبدأ رحلة من العطاء لم تتوقف. شارك في العديد من الأعمال الدرامية والسينمائية والمسرحية، وبرز بقدرته الفائقة على أداء الأدوار المركبة والصعبة. وإلى جانب التمثيل، كانت له مساهمات إخراجية هامة، إلا أن الجانب الإداري في حياته شهد طفرة كبيرة حين تولى رئاسة المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية. خلال تلك الفترة، حقق ياسر صادق إنجازات ملموسة، كان أبرزها الاهتمام بمتاحف المسرح المصري وتوثيق تاريخ كبار الفنانين، حيث كان يؤمن بأن الحفاظ على التراث الفني هو جزء من حماية الهوية الوطنية.
حظيت إدارته بإشادة واسعة من وزراء الثقافة المتعاقبين ومن زملائه في الوسط الفني، لما لمسوه فيه من نزاهة وحرص على المال العام وتطوير حقيقي للمؤسسة التي كان يترأسها.
ياسر صادق.. صوت المسرح الذي لم ينقطع
تميز ياسر صادق بصوته المسرحي القوي وحضوره الطاغي على الخشبة، وكان مدرسة في الالتزام المهني. لم يسعَ يومًا وراء "التريند" أو الشهرة الزائفة، بل كان يركز كل طاقته في كيفية تقديم عرض مسرحي يحترم عقل المشاهد. ومن أبرز أعماله التي لا ينساها الجمهور مشاركاته في مسلسلات تلفزيونية حققت نجاحًا كبيرًا، بالإضافة إلى إسهاماته في إذاعة البرنامج الثقافي، حيث كان صوتًا مثقفًا يعي قيمة الكلمة.
رحيله اليوم يفتح الباب للتأمل في مسيرة فنان اختار الطريق الصعب، طريق الفن الهادف والرسالة السامية، بعيدًا عن صخب الأضواء التجارية، وهو ما جعل جنازته تتحول إلى مظاهرة حب من كافة أطياف المجتمع الفني والجمهور الذي عرفه وأحبه من خلال أعماله التي لامست وجدانهم.
وداعًا لجسد سيبقى أثره خالدًا
في ختام هذه الرحلة الأرضية، يغادرنا ياسر صادق جسدًا، لكنه يبقى في ذاكرة السينما والمسرح والتلفزيون روحًا وأثرًا لا يمحى.
إن رحيله في هذا العمر يذكرنا جميعًا بأن المبدعين الحقيقيين لا يرحلون تمامًا، بل يتركون خلفهم ما يشفع لهم عند جمهورهم وعند التاريخ.
سيظل اسم ياسر صادق مرتبطًا بالإخلاص للعمل المسرحي، وبالنهضة التي أحدثها في المركز القومي للمسرح، وبالصداقات الوفية التي لم تنقطع حتى اللحظات الأخيرة. رحم الله الفنان القدير ياسر صادق، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه والوسط الفني المصري الصبر والسلوان، لتظل ذكراه العطرة باقية في وجدان كل من استمتع بفنه أو تعلم من مدرسته الإدارية والفنية الراقية.