< من هو محمد حسن هيتو؟.. السيرة الذاتية الكاملة لشيخ الأصوليين السوري الأزهري
متن نيوز

من هو محمد حسن هيتو؟.. السيرة الذاتية الكاملة لشيخ الأصوليين السوري الأزهري

وفاة محمد حسن هيتو
وفاة محمد حسن هيتو

فقدت الأمة الإسلامية في سابع أيام شهر رمضان المبارك لعام 1447هـ، الموافق 24 فبراير 2026م، واحدًا من أبرز علمائها الأجلاء الذين أفنوا حياتهم في خدمة الشريعة الإسلامية، وهو العالم السوري الأزهري الدكتور محمد حسن هيتو، الذي وافته المنية في مدينة الكويت عن عمر ناهز 85 عامًا هجريًا.

 ويعد الدكتور هيتو علمًا من أعلام الفقه والأصول، حيث اشتهر بكونه حارس العقيدة والفقيه الذي لا يشق له غبار في المذهب الشافعي، بالإضافة إلى كونه أديبًا وشاعرًا ومؤسسًا لمشاريع علمية كبرى، لعل أبرزها جامعة الإمام الشافعي في إندونيسيا. رحل الشيخ هيتو تاركًا وراءه فراغًا كبيرًا في كراسي تدريس أصول الفقه، بعد أن قدم طيلة عقود دروسًا ومحاضرات أثرت المكتبة الإسلامية وخرجت أجيالًا من طلبة العلم الذين انتشروا في شتى بقاع الأرض يحملون منهجه المنضبط بعيدًا عن الغلو أو التفريط.

النشأة بدمشق والتحول المصيري نحو الأزهر

ولد الدكتور محمد حسن هيتو في مدينة دمشق العريقة عام 1943م، لنشأ في أسرة "هيتو" التي تعود جذورها إلى عشيرة الشيخانية العربية التي استوطنت المناطق الكردية، ويتصل نسبها بالشيخ عبد القادر الجيلاني ومنه إلى الإمام الحسن بن علي رضي الله عنهما.

 تميزت طفولته وشبابه بالذكاء المتوقد، حيث برع في المواد العلمية والرياضية وكان يخطط للسفر إلى ألمانيا لدراسة علوم الصواريخ والأقمار الصناعية. ومع ذلك، شهدت سنوات دراسته الثانوية تحولًا جذريًا في قناعاته، حيث تولدت لديه رغبة عارمة في دراسة العلوم الشرعية بالأزهر الشريف. هذا القرار واجه معارضة شديدة من والده الذي كان يخشى عليه من ضيق العيش، لدرجة أنه أجبره على دراسة "الجيولوجيا" بدمشق، إلا أن إصرار الشاب محمد حسن كان أقوى؛ فهاجر سرًا إلى القاهرة عام 1964م، متحديًا الظروف السياسية والمالية الصعبة، ليلتحق بالأزهر الشريف محققًا قوله: "لو بقي في عمري يوم سأموته في الأزهر".

الكفاح العلمي والتمكن في أصول الفقه

لم تكن رحلة الشيخ هيتو في القاهرة مفروشة بالورود، فقد عاش سنواته الأولى فقيرًا يعاني شظف العيش بعد أن انقطع عنه دعم أهله، لكنه صبر وصابر حتى تمكن من إثبات نبوغه وتغيير مساره من القسم العلمي إلى كلية الشريعة بعد امتحانات تجريبية شاقة. 

تتلمذ الشيخ على يد كبار علماء الأزهر في عصرهم الذهبي، أمثال الشيخ عبد الغني عبد الخالق وشحاتة محمد شحاتة وجاد الرب رمضان، واستقى منهم دقائق علوم النحو والتفسير والحديث، إلا أنه برع بشكل استثنائي في علم أصول الفقه، وهو العلم الذي نال فيه شهادة الدكتوراه بمرتبة الشرف. انتقل بعدها للعمل في الكويت، حيث ساهم بفعالية في إعداد الموسوعة الفقهية الكويتية، وأصبح مرجعًا يُشار إليه بالبنان في حل المعضلات الفقهية والأصولية، متميزًا بمنهجه النقدي القائم على الدليل والبرهان.

إرث علمي ومؤلفات واجهت "المتفيهقين"

ترك الدكتور محمد حسن هيتو ثروة علمية ضخمة تمثلت في كتبه التي أصبحت مراجع أساسية لطلبة العلم، ومن أبرزها "الوجيز في أصول التشريع الإسلامي" و"الحديث المرسل، حجيته وأثره". 

ومن أشهر كتبه التي أحدثت صدى واسعًا كتاب "المتفيهقون"، الذي ذم فيه الجرأة على الفتوى من غير علم كافٍ، وحذر فيه من المناهج الدخيلة التي تحاول العبث بالثوابت الفقهية. كما برع في التحقيق، حيث أخرج للأمة كتبًا نفيسة مثل "المنخول" للإمام الغزالي و"التمهيد" للإسنوي. ولم يقتصر نشاطه على التأليف، بل امتد ليكون شاعرًا أديبًا يعبر عن قضايا الأمة وهمومها ببيان رصين، مشددًا دائمًا على أهمية إتقان "آلات الفهم" من نحو وأصول وعقيدة قبل التصدر للتكلم في دين الله.

وفاته وأثره في الأجيال القادمة

بوفاة الدكتور محمد حسن هيتو في 7 رمضان 1447هـ بالكويت، تنطوي صفحة مشرقة من صفحات العلم والعمل. فقد تميزت حياته بالثبات على المبدأ والحرص على تعليم الشباب وإعدادهم ليكونوا فقهاء بحق، وليس مجرد ناقلين للمعلومات. 

إن تأسيسه لجامعة الإمام الشافعي في إندونيسيا يظل شاهدًا على رؤيته العالمية لنشر المذهب الشافعي الصحيح القائم على الوسطية والاعتدال.

نعت الدوائر العلمية في الأزهر وسوريا والكويت الفقيد الراحل، مؤكدة أن مصابه هو مصاب للأمة جمعاء، داعية الله أن يتغمده بواسع رحمته وأن يجعل علمه ومؤلفاته صدقة جارية تضيء طريق السالكين في دروب الفقه والأصول، حيث سيظل اسمه محفورًا في ذاكرة التاريخ كواحد من كبار المجددين للمدرسة الشافعية الأصولية في القرن الحادي والعشرين.