< عقد أول لواء في الإسلام.. ذكرى خروج حمزة بن عبد المطلب في أول مهمة عسكرية
متن نيوز

عقد أول لواء في الإسلام.. ذكرى خروج حمزة بن عبد المطلب في أول مهمة عسكرية

حدث فى رمضان
حدث فى رمضان

يُعد شهر رمضان المبارك بمثابة سجل حافل بالبطولات والتحولات السياسية والعسكرية التي أعادت صياغة تاريخ الأمة الإسلامية عبر القرون. 

وفي اليوم الرابع من هذا الشهر الفضيل، نستحضر مجموعة من الأحداث الجوهرية التي وقعت في أزمنة متباينة، بدأت من فجر الإسلام في المدينة المنورة بوضع النواة الأولى للقوة العسكرية، مرارًا بانتصارات الدولة المملوكية العظيمة التي دحرت الوجود الصليبي في المشرق، وصولًا إلى التحولات السياسية الكبرى في الأندلس التي عكست إرادة الشعوب في اختيار قادتها.

 إن هذه الأحداث لم تكن مجرد صدف زمنية، بل كانت تعبيرًا عن روح العزيمة التي يبثها شهر الصيام في نفوس المسلمين، محولةً أيام الجوع والعطش إلى أيام للفتح والتمكين وبناء الدول، مما يجعل من الرابع من رمضان يومًا محفورًا بمداد من نور في ذاكرة التاريخ الإنساني والإسلامي.

عقد أول لواء في الإسلام بقيادة سيد الشهداء حمزة

شهد اليوم الرابع من شهر رمضان في العام الأول للهجرة (623 ميلادية) حدثًا عسكريًا وتنظيميًا بارزًا، حيث عقد الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم) أول لواء عسكري في تاريخ الإسلام، وأسنده إلى عمه حمزة بن عبد المطلب، الملقب بـ "سيد الشهداء". خرج حمزة على رأس سرية تضم ثلاثين رجلًا من المهاجرين لاعتراض قافلة تجارية لقريش كانت قادمة من الشام بقيادة أبي جهل، والتي كان يحرسها نحو ثلاثمائة رجل. 

ورغم أن هذه المهمة لم تنتهِ بوقوع قتال أو مواجهة مباشرة بين الطرفين، إلا أنها كانت تحمل رسائل سياسية واستراتيجية قوية، حيث أثبتت لقريش وللقبائل العربية أن المسلمين في المدينة أصبحوا قوة منظمة قادرة على تهديد طرق التجارة والرد على المظالم، مما وضع حجر الأساس للهيبة العسكرية التي تمتعت بها الدولة الإسلامية الناشئة لاحقًا.

الظاهر بيبرس وتحرير أنطاكية من القبضة الصليبية

في تطور تاريخي لاحق وبالتحديد في الرابع من رمضان عام 660 هجرية، سطر السلطان المملوكي الظاهر بيبرس نصرًا مؤزرًا على الفرنجة في إمارة أنطاكية، والتي كانت تعد واحدة من أهم وأقوى الإمارات الصليبية في بلاد الشام. بعد أن أحكم بيبرس سيطرته على مقاليد الحكم في مصر عقب مقتل قطز، انطلق بجيشه الجرار نحو أنطاكية التي ظلت تحت السيطرة الصليبية لمدة ناهزت الخمسة وسبعين عامًا. 

فرض الجيش المملوكي حصارًا خانقًا على المدينة إلى أن أدرك الصليبيون عدم جدوى المقاومة واستسلموا في هذا اليوم المبارك. لم يكن هذا النصر مجرد استعادة لمدينة، بل كان ضربة قاصمة للوجود الصليبي في المشرق، حيث استعاد المسلمون سيطرتهم على ثغور هامة وأعادوا الأمن إلى ربوع الشام، مؤكدين على عبقرية بيبرس العسكرية وقدرة الدولة المملوكية على حماية بيضة الإسلام.

إرادة أهل قرطبة ومبايعة عبد الرحمن بن هشام الأموي

لم تقتصر أحداث الرابع من رمضان على المعارك العسكرية فحسب، بل امتدت لتشمل التحولات السياسية الكبرى في بلاد الأندلس، ففي عام 414 هجرية (1023 ميلادية)، اجتمع أعيان وأهل مدينة قرطبة العريقة لاختيار خليفة جديد يقود البلاد. 

جاء هذا الاجتماع التاريخي بعد فترة من الاضطرابات السياسية التي نجح خلالها أهل قرطبة في التخلص من تسلط حكم البربر وزعيمهم القاسم بن حمود. وبعد بقاء المدينة دون حاكم لمدة ثلاثة أسابيع سادها الترقب، وقع اختيار الشعب على عبد الرحمن بن هشام الأموي ليكون خليفة عليهم، في خطوة عكست الرغبة الشعبية في استعادة الاستقرار والعودة إلى الجذور الأموية التي شهدت الأندلس في ظلها أزهى عصورها العلمية والسياسية. هذا الحدث يبرز قيمة الشورى وإرادة الشعوب في تقرير مصيرها، خاصة في ظل الأزمات التي تهدد كيان الدولة.

دلالات الانتصارات الرمضانية في الوعي الإسلامي

إن استعراض أحداث الرابع من رمضان يكشف عن خيط رفيع يربط بين العبادة والعمل، وبين الصيام والفتح. فمن المدينة إلى أنطاكية وصولًا إلى قرطبة، نجد أن هذا اليوم كان موعدًا مع العزة والكرامة. لقد علمنا التاريخ أن المسلمين الأوائل والقادة العظام لم يروا في رمضان شهرًا للخمول والراحة، بل كان ميدانًا للتسابق نحو تخليد المواقف البطولية.

 إن استعادة هذه الذكريات في عصرنا الحالي تهدف إلى استنهاض الهمم وتذكير الأجيال الجديدة بأن تاريخهم مليء بالنماذج المشرفة التي جمعت بين القوة العسكرية والحكمة السياسية والتمسك بالهوية. ويبقى الرابع من رمضان شاهدًا على أن هذا الدين لم ينتشر ولم يستمر إلا بجهود رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فصنعوا بدمائهم وعقولهم حضارة لا تزال آثارها باقية حتى يومنا هذا.