عبد المنعم مدبولي.. الجد الطيب الذي زرع القيم والمعلومات في عقول أطفال مصر
تعتبر فوازير "جدو عبده زارع أرضه" واحدة من أثمن الكنوز التي احتفظت بها ذاكرة التلفزيون المصري، حيث لم تكن مجرد برنامج ترفيهي يعرض في شهر رمضان المبارك، بل كانت مشروعًا تثقيفيًا متكاملًا نجح في صياغة وجدان جيل كامل من الأطفال والشباب في حقبة الثمانينات والتسعينات.
انطلقت هذه الفوازير لأول مرة في عام 1987، محملة بصوت وأداء الفنان القدير الراحل عبد المنعم مدبولي، الذي استطاع ببراعته الفائقة وتقمصه لشخصية الجد الحكيم أن يخلق جسرًا من الثقة والمحبة مع المشاهدين، معتمدًا على فكرة بسيطة في ظاهرها وعميقة في جوهرها، وهي تقديم معلومة زراعية أو نباتية بطريقة مشوقة تنتهي بلغز يدفع العقل للبحث والتفكير في خبايا الطبيعة المصرية الأصيلة.
فلسفة التعليم بالترفيه
اعتمد البناء الدرامي لفوازير جدو عبده على استراتيجية "المعلومة المتدرجة"، حيث كانت كل حلقة مخصصة لنوع معين من النباتات أو المحاصيل التي تجود بها الأرض المصرية. كان "جدو عبده" يسرد للمشاهدين، بأسلوبه القصصي العذب، تفاصيل دقيقة عن النبات؛ من حيث لونه المميز، وطعمه، ورائحته الفواحة، وصولًا إلى فوائده الصحية واستخداماته اليومية في المطبخ أو العلاج. هذا الأسلوب لم يكن يهدف فقط لتسلية الأطفال، بل كان يسعى لربطهم بالأرض والزراعة، وتعريفهم بأهمية الثروة الخضراء في بلادهم، مما جعل الفوازير تتحول إلى مدرسة مفتوحة تُبث عبر الشاشات في وقت الذروة الرمضانية، محققة توازنًا نادرًا بين المتعة البصرية والقيمة المعرفية التي تفتقر إليها الكثير من برامج الأطفال الحديثة.
العمدة الآلي واستشراف المستقبل
لم تقتصر عبقرية العمل على الجانب الزراعي التقليدي، بل امتدت لتشمل لمسات إبداعية خيالية سبقت عصرها بكثير، وتمثلت في ظهور شخصية "العمدة الآلي". في قلب "عزبة أبو شادوف"، ظهر هذا الابتكار التكنولوجي الذي جسده ببراعة الفنان محمد الصاوي، ليقدم نموذجًا مبكرًا لما يمكن أن نطلق عليه اليوم "الذكاء الاصطناعي" ولكن في إطار ريفي كوميدي.
كان العمدة الآلي يمثل التضاد الصارخ بين التكنولوجيا الجامدة والعادات والتقاليد الريفية المرنة والمشبعة بالعاطفة، مما خلق مفارقات مضحكة ومواقف طريفة ناتجة عن عدم قدرة "الآلة" على استيعاب التعقيدات الاجتماعية والمشاعر الإنسانية لأهل القرية، وهو ما عكس تطلع صناع العمل آنذاك لمستقبل التكنولوجيا وكيفية انصهارها في المجتمع المصري.
أسرار الشخصيات وكواليس العمل
كشف الفنان محمد الصاوي في لقاءات لاحقة عن كواليس تجسيده لشخصية العمدة الآلي، مشيرًا إلى أن الفكرة كانت ثورية ومثيرة للضحك في آن واحد، حيث كان عليه أن يؤدي حركات ميكانيكية دقيقة تعبر عن كونه "روبوت"، بينما يتفاعل مع أهل القرية الذين استقبلوه بمزيج من الانبهار والريبة.
ومن المفارقات الدرامية التي لا تنسى، ظهور شخصية "ريحان" الذي تخفى في زي الإنسان الآلي للانتقام من عمدة الكفر الحقيقي الذي كان يلقب بـ "الرجل المفتري"، مما أضفى صبغة اجتماعية على العمل تناقش قضايا العدل والظلم بأسلوب بسيط. هذه التفاصيل الخيالية جعلت المشاهد يعيش في عالم يجمع بين الواقعية الريفية الصرفة وبين الخيال العلمي المبسط، مما جذب فئات عمرية متباينة لمتابعة الحلقات بشغف يومي لا ينقطع.
ركائز النجاح والاستمرارية التاريخية
إن صمود فوازير "جدو عبده" في ذاكرة الجمهور لعقود طويلة لم يكن وليد الصدفة، بل استند إلى ركائز صلبة، أولها الكاريزما الاستثنائية للفنان عبد المنعم مدبولي، الذي قدم "الجد" كرمز للأمان والمعرفة والحنان، وهو ما جعل الأطفال يعتبرونه جدًا حقيقيًا لهم. وثاني هذه الركائز هو الصدق في تمثيل البيئة الريفية المصرية؛ فالديكورات، والملابس، والأغاني المصاحبة، كانت تنقل عبق القرية المصرية وتفاصيلها الجميلة إلى قلب البيوت في المدن.
وثالثًا، خفة الظل والكوميديا الراقية التي خلت من أي إسفاف، واعتمدت على الموقف والمفارقة، مما جعلها مادة صالحة للمشاهدة العائلية بامتياز، تلتف حولها الأسرة من الجد حتى الحفيد في أجواء رمضانية دافئة.
أثر الفوازير في الوعي الجمعي
بالنظر إلى المحتوى الإعلامي المعاصر، ندرك مدى قيمة ما قدمه "جدو عبده"، فقد كانت الفوازير تزرع في الطفل روح الاستكشاف والملاحظة، وتنمي لديه مهارات الربط بين المعلومات للوصول إلى الحل النهائي للغز.
كما أنها وثقت بشكل غير مباشر لأنواع المحاصيل المصرية والممارسات الزراعية، في وقت كانت فيه الشاشة هي المصدر الأول للمعلومة. إن "عزبة أبو شادوف" لم تكن مجرد لوكيشن تصوير، بل كانت نموذجًا مصغرًا لمصر، حيث يتصارع الخير والشر، وتنتصر الحكمة في النهاية بلسان "جدو عبده"، ليبقى هذا العمل علامة فارقة تؤكد أن المحتوى الهادف هو الوحيد القادر على البقاء ومقاومة النسيان رغم تعاقب الأجيال وتطور وسائل الاتصال.
تظل فوازير "جدو عبده زارع أرضه" أيقونة خالدة تذكرنا بالزمن الجميل، حيث كان الإبداع الفني يسير جنبًا إلى جنب مع الرسالة التربوية. لقد نجح عبد المنعم مدبولي وفريق العمل في تقديم تجربة فريدة لا تزال قادرة على رسم البسمة على الوجوه حتى اليوم عند عرض حلقاتها القديمة. إنها دعوة لاستعادة هذا الروح في إنتاجاتنا المعاصرة، لنقدم للأجيال الجديدة محتوى يحترم عقولهم ويربطهم بهويتهم وأرضهم، تمامًا كما فعل "جدو عبده" وهو يزرع أرضه بالحب والمعرفة والذكريات التي لا تموت.