اغتنم الفرصة.. دعاء اليوم الثالث من رمضان 2026 وفضل التقوى في الصيام
مع إشراق شمس اليوم الثالث من شهر رمضان المبارك، تتعاظم أشواق الصائمين وتتجدد العزائم للنهل من معين الرحمة الإلهية التي تفيض بها هذه الأيام المباركة، حيث يمثل الثلث الأول من الشهر الفضيل "ثلث الرحمة" فرصة ذهبية لكل مؤمن يرغب في غسل أدران قلبه وتجديد عهده مع خالقه، فالدعاء ليس مجرد كلمات تُردد بل هو لب العبادة وجوهرها الأصيل الذي يربط العبد بربه في لحظات الصفاء الروحي والخلوة الإيمانية، وفي هذا اليوم تحديدًا، يستلهم المسلمون من الهدي النبوي الشريف ومن مأثورات الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمل الأدعية التي تفيض بالتضرع والرجاء، طمعًا في مغفرة شاملة تمحو ما سلف من الذنوب وتؤسس لمستقبل يملؤه التقوى والصلاح.
إن الاستمرارية في الدعاء خلال الأيام الأولى من رمضان تعد مؤشرًا على صدق النية وقوة الإرادة في استغلال هذا الموسم العظيم، فالصائم في اليوم الثالث قد بدأ يعتاد على أجواء الصيام الجسدي، مما يفسح المجال أمام الصيام الروحي والقلبي للارتقاء والسمو، ويؤكد علماء الشريعة أن التضرع إلى الله في هذه الأوقات مستجاب بإذنه تعالى، خاصة وأن الصائم له دعوة لا تُرد عند فطره، وفي جوف الليل، وفي ساعات النهار التي يقضيها في طاعة الله وذكره، مما يجعل من دعاء اليوم الثالث محطة انطلاق حقيقية نحو التغيير الإيجابي في السلوك والعبادة والمعاملة مع الآخرين.
تفاصيل دعاء اليوم الثالث من رمضان كما ورد في الأثر النبوي الشريف
فيما يخص المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم، فقد روى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما نصًا يحمل في طياته معاني التطهير والامتحان الإلهي للقلوب، حيث يقول الدعاء: «اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي فِيهِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَطَهِّرْنِي فِيهِ مِنَ الْعُيُوبِ، وَامْتَحِنْ فِيهِ قَلْبِي بِتَقْوَى الْقُلُوبِ، يَا مُقِيلَ عَثَرَاتِ الْمُذْنِبِينَ»، وهذا النص الشريف لا يقتصر فقط على طلب المغفرة، بل يغوص في أعماق النفس البشرية طالبًا التطهير من العيوب الخفية والظاهرة، فغسل الذنوب يعني محو أثرها، وتطهير العيوب يعني إصلاح النفس من الداخل، أما امتحان القلب بالتقوى فهو قمة الغايات، لأن التقوى هي الثمرة المرجوة من فريضة الصيام كما نص القرآن الكريم في قوله تعالى "لعلكم تتقون".
ويشرح المفسرون قوله "يا مقيل عثرات المذنبين" بأنها استغاثة باسم من أسماء الله الحسنى وصفاته العلا التي تعني الذي يصفح عن الزلات ويرفع العبد بعد سقطته، مما يعطي الأمل لكل من أثقلت كاهله الذنوب بأن باب التوبة مفتوح على مصراعيه، إن تدبر معاني هذا الدعاء يجعل المؤمن يدرك أن رمضان ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو رحلة "غسيل معنوي" شاملة، تبدأ بالاستغفار وتنتهي بالتقوى التي تلازم القلب في سائر شهور العام، ومن هنا تبرز أهمية ترديد هذا الدعاء بيقين تام وإخلاص شديد، مع استحضار عظمة الخالق وقدرته على تبديل السيئات حسنات.
المكانة العظيمة والجزاء الأوفى لمن حافظ على الدعاء في اليوم الثالث
لم يترك الشرع الحنيف عملًا صالحًا إلا وبين فضله ليكون حافزًا للمؤمنين على الاستزادة، وفي فضل دعاء اليوم الثالث من رمضان، وردت إشارات نبوية وآثار تدل على عظمة الجزاء، حيث يُروى أن من دعا بهذا الدعاء "مر على الصراط كالبرق الخاطف مع النبيين والشهداء والصالحين"، وهذا الثواب العظيم يجسد الأمان يوم القيامة، حيث الصراط وزلته، والبحث عن النجاة في ذلك اليوم العظيم، فأن يكون المؤمن في رفقة الأنبياء والصديقين هو الفوز الأكبر والغاية التي يشمر لها المخلصون، وهذا الفضل ليس مجرد ثواب لفظي، بل هو نتاج لما يحدثه الدعاء في قلب المؤمن من صدق في التوجه وإخلاص في العمل.
علاوة على ذلك، فإن الثواب المترتب على الدعاء في رمضان يتضاعف ببركة الزمان، فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والدعاء في حد ذاته عبادة تُكسب صاحبها رضوان الله، ويؤكد الفقهاء أن من فوائد هذا الدعاء في الدنيا هو انشراح الصدر وطمأنينة القلب والقدرة على مواجهة فتن الحياة اليومية بروحانية عالية، فالذي يسأل الله أن يطهر قلبه من العيوب، سيسعى جاهدًا للابتعاد عن الغيبة والنميمة والحقد والكراهية، مما ينعكس إيجابًا على المجتمع ككل، ويحول رمضان إلى مدرسة أخلاقية متكاملة تخرج أفرادًا صالحين يحملون قيم التقوى في صدورهم.
إرشادات عملية لاغتنام نفحات اليوم الثالث وتحقيق أقصى استفادة روحية
لا ينبغي أن يمر اليوم الثالث من رمضان كغيره من الأيام، بل يجب على المسلم أن يضع لنفسه جدولًا إيمانيًا يتمركز حول الدعاء والذكر، ومن أفضل الأوقات التي يُستحب فيها ترديد دعاء اليوم الثالث هي وقت السحر، حيث يتجلى الله سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا وينادي: "هل من داعٍ فأستجيب له"، وأيضًا في الساعة التي تسبق الإفطار، فهي لحظات اضطرار وافتقار إلى الله، وكذلك في السجود أثناء صلاة التراويح، حيث يكون العبد أقرب ما يكون إلى ربه، إن تنويع أوقات الدعاء يضمن استحضار القلب وعدم تحول العبادة إلى عادة روتينية، ويجعل لسان المؤمن رطبًا بذكر الله طوال النهار.
كما يُنصح الصائمون بجانب الدعاء المأثور، أن يضيفوا ما تجود به قريحتهم من حاجات الدنيا والآخرة، فسؤال الله التوفيق في العمل، والبر بالأبناء، وصلاح حال الأمة، كلها أدعية مقبولة ومستحبة، ويجب ألا ننسى أن الاستغفار في هذا اليوم هو المفتاح الحقيقي لتطهير القلب، فكلما استغفر العبد، سقطت نكتة سوداء من قلبه حتى يعود أبيضًا نقيًا، رمضان فرصة قد لا تتكرر، والأيام تمضي سراعًا، فاليوم نحن في الثالث، وغدًا سنجد أنفسنا في العشر الأواخر، لذا فإن الحزم والجد في العبادة منذ البداية هو شعار المؤمنين الأذكياء الذين يعرفون قدر هذه الأيام وقيمتها عند الله.
بناء الحصن الإيماني وتجديد العهد مع الله في مدرسة الشهر الكريم
إن الغاية الكبرى التي يسعى إليها المسلم من خلال دعاء "وامتحن فيه قلبي بتقوى القلوب" هي الوصول إلى مرتبة الإحسان، وهي أن تعبد الله كأنك تراه، فالتقوى هي الحارس الداخلي الذي يمنع الإنسان من الوقوع في الخطأ حتى في غياب الرقابة البشرية، وفي اليوم الثالث من رمضان، يبدأ الجسم في التخلص من السموم، وبالمثل يجب أن يبدأ القلب في التخلص من سموم المعاصي، إن تجديد العهد مع الله في هذا اليوم يعني العزم على ترك العادات السيئة، والبدء في بناء عادات إيمانية جديدة تستمر لما بعد رمضان، فالمؤمن الحقيقي هو من يكون "ربانيًا" لا "رمضانيًا" فقط.
ختامًا، يظل دعاء اليوم الثالث من رمضان منارة تضيء للصائمين طريقهم نحو القبول، فاحرص أخي الصائم على أن يكون لك نصيب من هذا الدعاء ومن خلوة صادقة مع الله، ترفع فيها يديك بالافتقار، وتسكب فيها عبرات الندم، وتجدد فيها عهد الوفاء لخالقك، نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام وصالح الأعمال، وأن يجعلنا في هذا الشهر الكريم من المقبولين، وأن يطهر قلوبنا ويغسل ذنوبنا، ويبلغنا ليلة القدر ونحن في أحسن حال، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.