< خروج المني ودم الحيض والنفاس: أحكام المفطرات البدنية المتعلقة بالصيام
متن نيوز

خروج المني ودم الحيض والنفاس: أحكام المفطرات البدنية المتعلقة بالصيام

النفاس
النفاس

أوضحت وزارة الأوقاف المصرية في بيان تفصيلي وشامل أن الصيام في جوهره وحقيقته الشرعية هو عبادة بدنية خالصة قوامها "الإمساك"، وهو الكف والامتناع بنية التعبد لله عز وجل عن سائر المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، ولضمان صحة هذه الفريضة العظيمة وتحقيق مقاصدها الإيمانية، يتحتم على كل مسلم الإحاطة الكاملة بالأصول الثمانية للمفطرات التي حددها الفقهاء بناءً على استقراء الأدلة من الكتاب والسنة، وفهم الضوابط الكلية الدقيقة التي تميز بين ما يفسد الصوم وما لا يفسده، لضبط العبادة على الوجه الصحيح الذي يرتضيه الشرع، حيث استقر رأي الفقهاء على أن المفطرات التي تنافي حقيقة الصوم تنقسم إلى أفعال اختيارية كالأكل والشرب والجماع، وعوارض بدنية أو عقلية كالحيض والجنون، مما يستوجب من الصائم الحذر والوعي بكل ما يدخل جوفه أو يطرأ على بدنه خلال ساعات النهار لضمان قبول عبادته وخلوها من النواقص.

وتعتبر قاعدة "وصول عين إلى الجوف" هي المحور الأساسي الذي يدور حوله فقه المفطرات، حيث عرف الفقهاء الجوف بأنه كل ما يلي حلقوم الإنسان ويشمل المعدة والأمعاء والمثانة وباطن الدماغ، فإذا تعمد الصائم إدخال أي جرم أو عين إلى هذه المناطق من منفذ مفتوح حسًا كالفم والأنف، فإن صومه يبطل ويجب عليه القضاء، ومن المهم جدًا التمييز بين المنافذ المفتوحة خلقة وبين المسام الجلدية أو العين، حيث استقر الاجتهاد الفقهي على أن ما يدخل عن طريق الجلد أو قطرة العين لا يعتبر مفطرًا لأنه لم يأتِ من منفذ مفتوح إلى الجوف، وهذا التدقيق الفقهي يهدف إلى تيسير العبادة على الناس ومنع الوساوس التي قد تصيب البعض تجاه الممارسات الحياتية اليومية أو العلاجية التي لا تتنافى مع جوهر الإمساك الذي أمر الله به.

أصول المفطرات الثمانية

حصر الفقهاء أصول المفطرات التي تبطل الصوم في ثمانية أمور رئيسية، أولها تعمد إدخال عين إلى الجوف من منفذ مفتوح كالفم والأنف، بشرط أن يتجاوز الحلقوم ويصل إلى المعدة أو ما يقوم مقامها، وثانيها تعمد الإيلاج في الفرج سواء كان ذلك في القبل أو الدبر وحتى في حالة عدم حدوث إنزال، وثالثها خروج المني عن مباشرة كاللمس أو القبلة وما في معناهما من الاستمتاع المتعمد، أما الأمر الرابع فهو الاستقاءة وتعمد إخراج ما في المعدة من قيء، مع التنبيه الهام على أن من غلبه القيء وخرج منه رغمًا عنه فلا يفطر به وصومه صحيح، وتكتمل القائمة بالأمور الخارجة عن إرادة الإنسان أو المتعلقة بصحة النية كخروج دم الحيض والنفاس للمرأة، والجنون الذي يزيل العقل وهو مناط التكليف، وأخيرًا الردة عن الإسلام والعياذ بالله لأنها تحبط العمل وتبطل نية التعبد التي هي ركن أصيل في الصيام.

ويشترط الفقهاء لتحقق الفطر بهذه الأمور توافر ثلاثة ضوابط مجتمعة، وهي العلم بوجوب الصوم، وذكر الصيام بحيث لا يكون الصائم ناسيًا، والقصد والاختيار بحيث ينتفي الإكراه، فإذا أكل الصائم ناسيًا أو أُكره على الإفطار فإن صومه يظل صحيحًا عند جمهور العلماء، وتؤكد القواعد الفقهية الكلية على أن الفطر يحصل بوصول العين إلى الجوف سواء كان ذلك لغرض التغذي أو التداوي، وسواء كانت المادة الواصلة مما يُعتاد أكله كخبز ولحم، أو مما لا يؤكل كالحصى والخرز، وسواء كانت في صورة جامدة أو مائعة، وهذا الإطلاق يهدف إلى صون العبادة من أي شائبة تخرق حالة الإمساك والامتناع التي هي مظهر الخضوع التام لأمر الله سبحانه وتعالى في هذا الشهر الكريم.

الضوابط المذهبية الدقيقة

ينبغي للمفتي وطالب العلم والمتعبد مراعاة القيود والمفارقات المذهبية الدقيقة عند تنزيل هذه الأحكام على النوازل المستجدة في العصر الحديث، فعلى سبيل المثال اشترط بعض فقهاء الحنفية في المادة الواصلة إلى الجوف أن يكون فيها "صلاح للبدن" إما غذاءً أو دواءً لكي يترتب عليها وجوب الكفارة العظمى مع القضاء، أما إذا دخل الجوف ما ليس فيه صلاح للبدن كالحصى، فإن ذلك يوجب القضاء فقط دون الكفارة، ومن ناحية أخرى فرق المالكية في أحكامهم بين المائعات والجوامد حسب علو المنفذ أو سفله، حيث اشترطوا "التحلل" في المادة الواصلة من المنافذ السفلية لاعتبارها مفطرة، وهذه التفاصيل تعكس عمق النظر الفقهي في استنباط الأحكام ومراعاة أحوال المكلفين واختلاف طبائع المواد الداخلة إلى البدن.

لذلك، فإن القاعدة الكلية لفساد الصوم تضبط بوصول عين إلى الجوف من منفذ مفتوح مع توفر القصد والعلم، ويستوي في ذلك الغذاء والدواء، ويجب عند إصدار الحكم الشرعي في القضايا الطبية المعاصرة مثل البخاخات والحقن الوريدية والمنظار مراعاة هذه الفروق الدقيقة والرجوع إلى أهل الاختصاص من الفقهاء والأطباء لضمان تنزيل الأحكام تنزيلًا صحيحًا يتوافق مع روح الشريعة وتيسيرها، إن فهم هذه الأصول لا يساهم فقط في صحة العبادة، بل يمنح المؤمن الطمأنينة القلبية وهو يؤدي ركنًا من أركان دينه، مدركًا حدود الحلال والحرام، ومحافظًا على قدسية الصيام كرحلة روحية وتعبدية تهدف إلى تقوى الله وتهذيب النفس والارتقاء بها فوق الشهوات المادية، وهو ما تسعى وزارة الأوقاف لترسيخه عبر برامجها التوعوية المستمرة.