يسرا.. ابنة عائلة "صالح سليم" العريقة التي جمعت بين رقي النشأة وعظمة الموهبة
ولدت الفنانة القديرة يسرا في العاشر من مارس عام 1955، وحملت منذ صباها شغفًا كبيرًا بالتمثيل، متأثرة ببيئة عائلية عريقة؛ فهي ابنة شقيق ضابط المخابرات الشهير محمد نسيم. بدأت رحلتها السينمائية في أواخر السبعينيات، وتحديدًا في عام 1973.
حيث واجهت في بداياتها تحديات كبيرة في اختيار الأدوار التي تليق بموهبتها، وهي الفترة التي بررتها لاحقًا بصدق وشفافية بأنها كانت تحتاج لتفريغ شحنة التمثيل بداخلها دون تدقيق كبير، قبل أن تدرك بوعيها الفني الفارق الشاسع بين مجرد الانتشار وبين الاختيار النوعي الذي يبني تاريخًا حقيقيًا. استطاعت يسرا بذكائها الفطري أن تكتسب شعبية هائلة في أواخر الثمانينيات، لتصبح القاسم المشترك في أنجح أفلام تلك الحقبة، مبرهنة على أن الموهبة الحقيقية قادرة على فرض شروطها وتغيير مسار الفنان من ممثل هاوٍ إلى أيقونة سينمائية يشار إليها بالبنان.
الثنائية الأسطورية مع عادل إمام وتأثير يوسف شاهين
لا يمكن قراءة تاريخ السينما المصرية الحديثة دون التوقف عند الثنائية المذهلة التي جمعت بين يسرا و"الزعيم" عادل إمام، وهي الشراكة التي بدأت عام 1978 في فيلم "شباب يرقص فوق النار" وامتدت لأكثر من 15 فيلمًا، شكلت في مجملها وجدان المشاهد العربي، من "الإرهاب والكباب" و"المنسي" إلى "طيور الظلام" و"عمارة يعقوبيان".
كما تدين يسرا بجزء كبير من نضجها الفني للمخرج العالمي يوسف شاهين، الذي اكتشف فيها جوانب إنسانية ودرامية عميقة منذ تعاونهما الأول في "حدوتة مصرية"، ثم "إسكندرية كمان وكمان" و"المهاجر". هذا المزيج بين مدرسة عادل إمام الجماهيرية ومدرسة يوسف شاهين النخبوية جعل من يسرا فنانة شاملة، قادرة على إضحاك الملايين وبكائهم في آن واحد، ومؤهلة لتمثيل مصر في كبرى المحافل الدولية مثل مهرجانات "كان" و"فينيسيا".
الريادة الدرامية وتصدر المشهد الرمضاني
انتقلت يسرا من بريق السينما إلى رحاب الدراما التليفزيونية بسلاسة مذهلة، حيث أصبحت منذ أواخر التسعينيات "سيدة الشاشة الرمضانية" بلا منازع. بدأت هذه المرحلة بمسلسل "رأفت الهجان" في دور "هيلين ريشتر" الذي لا يزال عالقًا في الأذهان، ثم توالت نجاحاتها في أعمال ناقشت قضايا اجتماعية شائكة وحساسة؛ فمن "أين قلبي" و"ملك روحي" إلى "قضية رأي عام" الذي هز الرأي العام المصري، وصولًا إلى "خيانة عهد" و"حرب أهلية".
تميزت اختيارات يسرا الدرامية بالشجاعة في طرح مشكلات المرأة والمهمشين، وهو ما جعلها قريبة من نبض الشارع، ومكنها من الحفاظ على مكانتها كأعلى النجمات أجرًا وتأثيرًا، خاصة مع قدرتها على التجدد ومواكبة ذوق الأجيال الشابة، وهو ما ظهر جليًا في أعمالها الكوميدية الأخيرة مثل "1000 حمد الله عالسلامة".
يسرا الإنسانة وسفيرة النوايا الحسنة للأمم المتحدة
بعيدًا عن أضواء البلاتوهات، تمتلك يسرا سجلًا حافلًا في العمل الاجتماعي والإنساني، وهو ما دفع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لاختيارها سفيرة للنوايا الحسنة في عام 2006. جاء هذا التكريم تتويجًا لرحلتها التي تجاوزت ربع قرن من الاهتمام بقضايا الفئات المستضعفة والنساء، ومشاركتها الفعالة في الجمعيات الأهلية والنشاطات التوعوية. يسرا، المتزوجة من المهندس خالد سليم وابنة عائلة "صالح سليم" العريقة،
استثمرت شهرتها الواسعة لتسليط الضوء على الأزمات الإنسانية والسياسية في الوطن العربي، مؤكدة أن دور الفنان الحقيقي لا ينتهي بانتهاء تصوير المشهد، بل يمتد ليكون صوتًا لمن لا صوت لهم، ومحفزًا للتغيير الإيجابي في المجتمع، مما جعلها تحظى باحترام المؤسسات الدولية وتقدير الملوك والرؤساء حول العالم.
التكريمات العالمية والإرث الفني الخالد
تعد يسرا واحدة من أكثر الفنانات العربيات تكريمًا في المحافل الدولية، حيث حصلت على أكثر من 50 جائزة وشهادة تقدير من مختلف القارات. من أبرز هذه التكريمات حصولها على الدكتوراه الفخرية من الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 2016، وجائزة أفضل ممثلة في "ليلة شتاء دافئ" عام 1981، بالإضافة إلى تكريمات خاصة من مهرجان "بيروت الدولي لسينما المرأة" عام 2024.
ولم تتوقف موهبتها عند التمثيل، بل امتدت للغناء الذي حققت فيه نجاحًا عالميًا بأغنية "3 دقات"، التي تجاوزت مئات الملايين من المشاهدات. إن مسيرة يسرا هي قصة نجاح ملهمة، بدأت بشابة طموحة في أروقة الإذاعة والسينما، وانتهت بأسطورة حية تدرس مسيرتها كنموذج للإصرار، والرقي، والقدرة على البقاء في القمة لأكثر من خمسة عقود.