< من أحمد عبد القادر إلى عبد المطلب: كواليس التنازل عن عرش الأغنية الرمضانية الأشهر
متن نيوز

من أحمد عبد القادر إلى عبد المطلب: كواليس التنازل عن عرش الأغنية الرمضانية الأشهر

رمضان جانا
رمضان جانا

ارتبط شهر رمضان منذ القدم بالعديد من الأغاني والتواشيح الدينية التي كانت ومازالت مظهرًا أساسيًا من مظاهره، وأصبحت جزءًا لا يتجزأ من طقوس الشهر الكريم في الوجدان العربي والمصري. ومن بين تلك الأغاني، تتربع أغنية «رمضان جانا» على العرش بصوت الفنان الكبير محمد عبد المطلب، وهي الأغنية التي يُطلق عليها النقاد "البيان الرسمي" لقدوم الشهر. ويعود تاريخ إنتاج هذه الأغنية إلى عام 1943، أي قبل نحو 83 عامًا من الآن، والعجيب في الأمر أن الصدفة وحدها هي التي قادت عبد المطلب لغنائها؛ فقد كان من المقرر في البداية أن يغنيها الفنان أحمد عبد القادر، صاحب الأغنية الشهيرة "وحوي يا وحوي"، إلا أن رفض الإذاعة المصرية حينها لغناء عبد القادر أكثر من أغنية رمضانية في موسم واحد، دفعه للتنازل عنها لصالح صديقه محمد عبد المطلب، الذي كان يمر بضائقة مالية خانقة في ذلك الوقت، ليقبل غناءها مقابل مبلغ متواضع قدره ستة جنيهات فقط.

ظلال الحرب العالمية الثانية وكواليس التسجيل الأول في عام 1943

خرجت أغنية «رمضان جانا» للنور في ظروف عالمية ومحلية قاسية للغاية، حيث كانت نيران الحرب العالمية الثانية تلتهم الأخضر واليابس وتلقي بظلالها على كافة مناحي الحياة، بما في ذلك المجال الفني الذي شهد حالة من الكساد وإغلاق الكازينوهات وتراجع الإنتاج السينمائي. غنى عبد المطلب الأغنية للمرة الأولى في يوم 2 رمضان سنة 1362هـ، الموافق 2 سبتمبر عام 1943م، ومن مفارقات القدر أن هذا اللحن الذي صاغه الموسيقار محمود الشريف وكلمات الشاعر حسين طنطاوي، استطاع أن يخترق جدار الكآبة التي خلفتها الحرب ليحولها إلى طاقة من البهجة ملأت بيوت المصريين عبر أجهزة "الراديو الحديث" التي كانت تنتشر في المنازل حينها. لقد كانت هذه الأغنية بمثابة طوق نجاة فني ومادي لعبد المطلب، حيث استقرت في قلوب الناس وباتت الأغنية الأكثر طلبًا وإعادة في تاريخ الإذاعة المصرية لفترات طويلة.

محمد عبد المطلب.. من مسرح بديعة مصابني إلى لقب ملك المواويل

وُلد الفنان محمد عبد المطلب في مدينة شبراخيت بمحافظة البحيرة عام 1910م، وبدأ مسيرته الفنية الحافلة من مسرح بديعة مصابني في ثلاثينيات القرن الماضي، حيث أبدع في غناء المواويل والأغاني الشعبية التي ميزت لونه الغنائي الخاص. وقد عُرف عبد المطلب بأصالته الفنية وقدرته الفائقة على أداء المواويل التي لم يسبقه فيها أحد، مما جعله يستحق لقب «ملك المواويل» عن جدارة واقتدار بشهادة المجلات الفنية العريقة مثل مجلة «الفن» الصادرة عام 1950م. ولم تتوقف مسيرته عند الغناء فقط، بل امتدت للسينما حيث أنتج له الفنان محمد عبد الوهاب فيلم «تاكسي حنطورة»، وقام هو بإنتاج بعض الأفلام الأخرى، مؤكدًا على بصمته الخاصة في الموسيقى العربية التي جمعت بين رقي اللحن وشعبية الكلمة وقربها من الشارع المصري البسيط.

أرقام قياسية وارتباط وجداني لا ينقطع مع الأجيال الجديدة

حسب أرشيف الصحف والمجلات المصرية القديمة، فقد حقق محمد عبد المطلب أرقامًا قياسية في الانتشار؛ حيث ذكرت التقارير أنه قام بغناء إحدى أغانيه بنحو 300 مرة متتالية خلال ستة أشهر فقط نتيجة الطلب الجماهيري الهائل، وهو رقم يعكس مدى التعلق بصوته وأدائه. وتظل أغنية «رمضان جانا» شاهدة على هذا النجاح الاستثنائي، فبالرغم من مئات الأغاني التي أُنتجت لاحقًا للترحيب بالشهر الكريم، إلا أن أحدًا لم ينجح في زحزحة "عبد المطلب" عن مكانته كأول صوت يطرق مسامعنا معلنًا الفرحة. إن هذه الأغنية لا تزال حتى عام 2026 تمثل النبض الحقيقي لاستقبال رمضان، حيث تُبث في كافة المحافل والمناطق التجارية والشاشات، لتؤكد أن الإبداع الذي ينبع من الصدق والجمال الفني الفطري يظل عصيًا على النسيان مهما تعاقبت السنون وتغيرت أدوات العصر.

دروس من قصة "رمضان جانا" لكل مبدع

إن قصة أغنية «رمضان جانا» تعلمنا أن العطاء الفني الحقيقي لا يرتبط دائمًا بالميزانيات الضخمة أو الخطط التسويقية المعقدة، فمبلغ الستة جنيهات التي تقاضاها عبد المطلب والصدفة التي منحتُه اللحن، أثمرت عن عمل فني خالد سيبقى ما بقي شهر رمضان. لقد استطاع محمد عبد المطلب بصوته الأصيل أن يحول الضائقة الشخصية والكساد الفني العالمي إلى أيقونة للفرح، ليثبت أن الفنان هو لسان حال مجتمعه في أحلك الظروف. ومع استعدادنا لاستقبال شهر رمضان 2026، ستظل أنغام هذه الأغنية هي الجسر الذي يربطنا بذكريات الطفولة وبهاء الماضي، داعية إيانا لنشر البهجة والتفاؤل تمامًا كما فعل "ملك المواويل" قبل ثمانية عقود من الزمان تحت سماء القاهرة.