الدبلوماسية الشعبية والإعلامية: كيف ساهم ضياء رشوان في توضيح رؤية مصر للعالم؟
شهد التعديل الوزاري الأخير في الحكومة المصرية خطوة استراتيجية تمثلت في عودة وزارة الإعلام واستحداث حقيبتها مجددًا، مع إسناد المهمة للكاتب الصحفي والخبير السياسي المرموق الدكتور ضياء رشوان.
يأتي هذا الاختيار في توقيت بالغ الأهمية، حيث تواجه الدولة المصرية تحديات إعلامية ودبلوماسية كبرى تتطلب شخصية تجمع بين الخبرة الأكاديمية العميقة والقدرة على إدارة الملفات السياسية الشائكة.
ويعد رشوان واحدًا من أبرز العقول التي ساهمت في صياغة الخطاب الرسمي للدولة خلال السنوات الأخيرة، خاصة في ظل دوره المحوري كرئيس للهيئة العامة للاستعلامات، ومنسق عام للحوار الوطني، حيث أثبت قدرة فائقة على خلق مساحات مشتركة بين القوى السياسية المختلفة، وتوضيح الرؤية المصرية تجاه القضايا الإقليمية والدولية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية وأزمة غزة، مما جعله الرجل الأنسب لقيادة المشهد الإعلامي في المرحلة الراهنة.
التكوين الأكاديمي والرحلة من القاهرة إلى السوربون
ولد الدكتور ضياء رشوان في الأول من يناير عام 1960، وبدأت ملامح شخصيته السياسية تتشكل من خلال دراسته في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، التي تخرج منها عام 1981 بتقدير متميز.
لم يكتفِ رشوان بالدراسة المحلية، بل سعى لصقل خبراته بالانفتاح على المدارس الفكرية الغربية، حيث حصل على درجة الماجستير في التاريخ السياسي من جامعة السوربون بباريس عام 1985، وهي المرحلة التي منحت طروحاته عمقًا تحليليًا وبُعدًا دوليًا.
هذا المزيج بين الثقافة العربية والمنهجية العلمية الفرنسية ساعده لاحقًا في أن يصبح أحد أهم خبراء الحركات الإسلامية والنظم السياسية في المنطقة، حيث انضم لمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الذي تدرج فيه من باحث مساعد وصولًا إلى مدير للمركز، مسهمًا في إنتاج مئات الدراسات والكتب التي أصبحت مراجع أساسية للباحثين وصناع القرار.
العمل النقابي والمهني: ثلاث دورات على مقعد "نقباء الصحفيين"
يحمل ضياء رشوان في مسيرته سجلًا حافلًا بالعمل النقابي، حيث انتخب نقيبًا للصحفيين المصريين في ثلاث دورات متتالية (2013، 2019، 2021)، وهي فترات كانت مليئة بالتحولات السياسية والاجتماعية في مصر.
استطاع رشوان خلال رئاسته للنقابة أن يوازن بين حقوق الصحفيين والمسؤولية الوطنية للمهنة، كما لعب دورًا بارزًا في لجنة الخمسين التي صاغت دستور مصر عام 2014، ممثلًا للصحافة المصرية، لضمان وضع نصوص دستورية تحمي حرية الرأي والتعبير. هذا الرصيد النقابي منحه قبولًا واسعًا داخل الوسط الصحفي، وجعله يمتلك أدوات التواصل الفعال مع مختلف المؤسسات الإعلامية، وهو ما سيعتمد عليه بلا شك في مهمته الجديدة كوزير للإعلام لضبط الأداء المهني والارتقاء بالمحتوى الإعلامي بما يتناسب مع ريادة مصر الإقليمية.
الحوار الوطني والهيئة العامة للاستعلامات: أدوات النجاح السياسي
قبل توليه المنصب الوزاري، نجح ضياء رشوان في إدارة ملفين من أصعب الملفات الوطنية؛ الأول هو رئاسته للهيئة العامة للاستعلامات منذ عام 2017، حيث حولها إلى منصة إعلامية ودبلوماسية نشطة ترد على الأكاذيب الدولية وتوضح الحقائق بالأرقام والوثائق، خاصة خلال الأزمات الإقليمية الكبرى.
أما الملف الثاني فهو "الحوار الوطني"، الذي تولى فيه منصب المنسق العام منذ يونيو 2022، حيث نجح في إدارة جلسات ضمت كافة أطياف المعارضة والمؤيدين، مبرهنًا على طول نَفَس سياسي وقدرة على احتواء الاختلافات. إن هذا النجاح في إدارة الحوار المجتمعي هو ما دفع القيادة السياسية لاختياره وزيرًا للإعلام، إيمانًا بقدرته على تحويل الإعلام من مجرد ناقل للخبر إلى ساحة للنقاش الوطني الواعي والمسؤول، القادر على بناء جبهة داخلية صلبة.
الرؤية الإعلامية والإنتاج العلمي الممتد عبر القارات
لا تتوقف ميزات وزير الإعلام الجديد عند المناصب التنفيذية، فهو مفكر وباحث له إنتاجه الغزير الذي تجاوز 25 كتابًا وعشرات الدراسات العلمية المنشورة باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية.
وبفضل مكانته العلمية، ترأس رشوان مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية في دبي لعدة سنوات، وتم اختياره رئيسًا فخريًا للاتحاد العام للصحفيين العرب، مما يعكس تقدير الأوساط الإعلامية العربية لشخصيته وقدراته. ومن المتوقع أن تنعكس هذه الخبرات الدولية على حقيبة الإعلام في مصر، من خلال تطوير الخطاب الموجه للخارج، واستخدام التكنولوجيا الحديثة في الوصول لجمهور الشباب، وضمان تقديم محتوى إعلامي يتسم بالدقة والاحترافية والوطنية، ليكون إعلامًا معبرًا عن تطلعات الشعب المصري ومدافعًا عن مصالح الدولة في كافة المحافل.