خارطة طريق إعلامية جديدة: ماذا ينتظر الإعلام المصري من تولي ضياء رشوان الوزارة؟
ليس من السهل اختزال ضياء رشوان في منصب أو لقب، فالرجل الذي عرفه الجمهور عبر الشاشات، أو قرأ له في الصحف، ظل طوال مسيرته أقرب إلى الصحفي الباحث عن الفهم، لا المتعجل في إطلاق الأحكام. كان صاحب هدوء لافت، وطريقة متزنة في الحديث، مما جعله حاضرًا في المشهد العام بوصفه عقلًا تحليليًا أكثر منه صوتًا مرتفعًا، حتى أصبح اليوم مرشحًا لوزارة الإعلام في التشكيل الحكومي الجديد لعام 2026.
إن هذا الترشيح يأتي في وقت يحتاج فيه الإعلام المصري إلى "مايسترو" يجمع بين الخبرة الأكاديمية، والمهارة النقابية، والقدرة على مخاطبة الخارج والداخل بلغة رصينة تتناسب مع تحديات الجمهورية الجديدة وتطلعاتها الاستراتيجية.
الجذور والبوصلة: من العلوم السياسية إلى قمة البحث الفكري في "الأهرام"
نشأ رشوان مهتمًا بالشأن العام، وهو اهتمام تطور مع دراسته للعلوم السياسية، ليصبح لاحقا بوصلته المهنية، حيث اختار مبكرًا طريق الصحافة المتخصصة، فالتحق بمؤسسة «الأهرام»، إذ وجد مساحة تسمح له بالجمع بين العمل الصحفي والبحث الفكري، بعيدًا عن الإيقاع السريع للأخبار اليومية.
فقد حصل على ماجستير في التاريخ السياسي من جامعة السوربون بباريس عام 1985، وعمل في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية منذ عام 1981، كباحث مساعد، ثم باحث، ثم خبير، ثم رئيس لوحدة النظم السياسية وبرنامج دراسة الحركات الإسلامية، ثم نائب لمدير المركز بين عامي 2009 و2011. خلال هذه العقود، تشكل وعيه المهني بالقرب من الملفات الشائكة والمعقدة، تلك التي تحتاج قراءة عميقة وصبرًا طويلًا، مثل قضايا الأمن القومي وتحولات المنطقة، مما جعل اسمه مرتبًا بالتحليل الذي يشرح أكثر مما يهاجم.
العمل النقابي وصناعة التوازن: ضياء رشوان ونقابة الصحفيين
وعندما تولى مسؤولية نقابة الصحفيين، لم يكن الدور سهلًا، فالمهنة كانت تواجه أزمات متراكمة، والضغوط كانت حاضرة من كل اتجاه، وفي هذه المرحلة، ظهر الجانب الإنساني في شخصيته بشكل أوضح؛ نقيب يحاول أن يستمع، وأن يوازن بين مطالب الصحفيين وتعقيدات المشهد العام، مؤمنا بأن حماية المهنة تبدأ بالحوار، لا بالمواجهة وحدها. استطاع رشوان خلال فترات رئاسته للنقابة أن يمتص الكثير من الأزمات، وأن يبقي على شعرة معاوية بين الجماعة الصحفية ومؤسسات الدولة، وهو ما صبغ صورته الذهنية بـ "رجل التوازنات" الذي يمتلك القدرة على التفاوض الهادئ والوصول إلى مساحات مشتركة تخدم مصلحة المهنة دون الإخلال باستقرار الدولة العام.
الدفاع عن صورة الدولة: من الاستعلامات إلى حقيبة الوزارة المرتقبة
وفي موقعه كرئيس للهيئة العامة للاستعلامات، انتقل ضياء رشوان إلى دور مختلف، أكثر حساسية، لم يعد يكتب الخبر أو يحلله فقط، بل أصبح مسؤولا عن تقديم صورة الدولة المصرية إلى الخارج. إنها مهمة تتطلب قدرًا عاليًا من الدقة، وضبط اللغة، والقدرة على تفسير المواقف دون مبالغة أو انفعال، وهو دور بدا متسقا مع طبيعته الشخصية التي تميل إلى العقلانية والاتزان.
وفي ظهوره الإعلامي، لا يسعى «رشوان» إلى لفت الانتباه، بل يتحدث بهدوء ويختار كلماته بعناية، ويترك مسافة واضحة بين التحليل والرأي الشخصي، وربما لهذا يحظى باحترام طيف واسع من المتابعين، حتى ممن يختلفون معه سياسيًا، لأنه يقدم نفسه دائمًا كباحث يطرح الوقائع بمنطقية تغيب عن الكثيرين في فضاء الضجيج الإعلامي المعاصر.
إنسانية "الباحث المنضبط": لماذا يمثل رشوان خيارًا استراتيجيًا للإعلام؟
إنسانيًا، يعرف ضياء رشوان بالانضباط والابتعاد عن الأضواء خارج إطار العمل، وبإيمانه بأن الصحافة ليست فقط مهنة، بل مسؤولية أخلاقية ومعرفية. مسيرته تعكس نموذجًا للصحفي الذي فضّل العمل في المناطق الهادئة من المشهد، حيث تصنع التأثيرات الحقيقية بعيدًا عن الصخب.
ومع اقتراب الإعلان الرسمي عن التعديل الوزاري، ينظر المراقبون إلى ترشحه لوزارة الإعلام كخطوة تهدف إلى إعادة الانضباط للمشهد الإعلامي، وتوحيد الرسالة الموجهة للعالم، خاصة مع الخبرة العريضة التي اكتسبها في التعامل مع مراسلي الصحافة الأجنبية وإدارة الأزمات الإعلامية الكبرى، مما يجعله مرشحًا لا يقدم فقط منصبًا إداريًا، بل يقدم "رؤية فكرية" لمهنة يبدو أنها في أمسّ الحاجة إلى العودة لمسارات التعقل والاحترافية.