سيناريوهات الذهب في ظل سياسات ترامب.. هل انتهى عصر الملاذ الآمن مؤقتًا؟
شهدت أسواق الذهب في جمهورية مصر العربية حالة من الاستقرار النسبي خلال تعاملات اليوم، وذلك بعد فترة من التقلبات العنيفة التي أدت إلى هبوط حاد في القيمة الشرائية للمعدن الأصفر، حيث سجلت الأسواق تراجعًا إجماليًا بلغ نحو 295 جنيهًا في سعر الجرام الواحد خلال الجلسات القليلة الماضية.
ويأتي هذا الثبات المحلي متزامنًا مع موجة من الهبوط الحاد في البورصات العالمية، حيث يراقب المستثمرون والمدخرون في مصر حركة الصاغة بكثير من الحذر، تطلبًا لنقطة دخول مناسبة بعد أن كسرت الأسعار مستويات الدعم السابقة، مدفوعة بتغيرات جوهرية في المشهد الاقتصادي والسياسي بالولايات المتحدة الأمريكية، والتي ألقت بظلالها مباشرة على العرض والطلب في السوق المحلية.
قراءة في قائمة أسعار الذهب اليوم بمحلات الصاغة المصرية
سجلت محركات البحث طلبًا مكثفًا للتعرف على آخر تحديثات الأسعار، حيث استقرت التداولات عند مستويات متباينة للأعيرة المختلفة؛ فقد استقر سعر "عيار 24" الذي يعد الأنقى والأعلى جودة عند مستوى 7348 جنيهًا للجرام، بينما واصل "عيار 21" -وهو الأكثر تداولًا وطلبًا في مصر- ثباته عند 6430 جنيهًا.
أما "عيار 18" الذي يلقى رواجًا في المصوغات الفنية والمجوهرات فقد سجل 5511 جنيهًا، وفيما يخص الاستثمار طويل الأجل، فقد استقر سعر "الجنيه الذهب" عند 51440 جنيهًا، مما يعكس حالة من الترقب تسود الصاغة المصرية انتظارًا لافتتاحية التداولات العالمية القادمة التي ستحدد مسار المعدن للأسبوع الجاري.
العاصفة العالمية: كيف أطاح "كيفن وارش" بآمال الثيران في سوق الذهب؟
يرجع المحللون الاقتصاديون الهبوط المدوي للذهب عالميًا إلى حالة "الوضوح المفاجئ" التي سادت الأسواق بعد ترشيح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للاقتصادي "كيفن وارش" لتولي رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي خلفًا لجيروم باول.
هذا القرار لم يكن مجرد تغيير في الأسماء، بل مثل نقطة تحول في السياسة النقدية الأمريكية؛ حيث يُعرف وارش بموقفه الصارم والمتشدد تجاه التضخم، وهو ما قلل من احتمالية اللجوء إلى سياسات تيسير نقدي واسعة المدى. وعلى الرغم من تحالفه مع رؤية ترامب لخفض الفائدة، إلا أن رفضه لعمليات شراء الأصول وسجله التاريخي جعلا المستثمرين يتوقعون دولارًا أقوى، مما دفع بأسعار الأونصة للهبوط من مستويات تاريخية قرب 4400 دولار لتتداول حاليًا حول 4650 دولارًا، مسجلة أكبر انخفاض منذ أربعة عقود.
الضغوط التقنية في بورصة كومكس وتأثيرها على سيولة المعادن
لم تقتصر الضغوط على السياسة النقدية فقط، بل امتدت لتشمل إجراءات تنظيمية قاسية في بورصات التداول العالمية؛ حيث تم رفع هوامش الربح على عقود الذهب الآجلة في بورصة "كومكس" من 6% إلى 8%، مع زيادة أكبر في عقود الفضة لتصل إلى 15%. هذه التحركات الفنية تهدف في الأساس إلى تقليل حجم المضاربات العنيفة، لكنها أدت في الوقت ذاته إلى انخفاض سيولة العقود وزيادة ضغوط البيع القسري على المتداولين الذين وجدوا أنفسهم مضطرين لتسييل مراكزهم الشرائية، مما زاد من وتيرة الهبوط السعري. هذا التزامن بين ارتفاع قوة الدولار وتراجع الطلب الفني جعل الذهب يتداول تحت المتوسط المتحرك لـ50 يومًا البالغ 4550 دولارًا، مما يعطي إشارة سلبية للمدى القصير.
الانفراجة الجيوسياسية وتلاشي بريق الملاذ الآمن مؤقتًا
على الصعيد الجيوسياسي، ساهمت التقارير الواردة حول انفتاح الولايات المتحدة الأمريكية وإيران على جولة جديدة من المفاوضات في تهدئة مخاوف الأسواق العالمية بشأن تصعيد الصراع في منطقة الشرق الأوسط. تاريخيًا، ينتعش الذهب في أوقات الحروب وعدم الاستقرار،
ومع ظهور بوادر للحلول الدبلوماسية، تراجع الطلب التحوطي على المعدن النفيس كملاذ آمن. هذا الهدوء النسبي دفع رؤوس الأموال للعودة مرة أخرى نحو الأصول الأكثر مخاطرة أو العملات القوية، مما ترك الذهب في منطقة "جني الأرباح" بعد المستويات القياسية التي حققها في الفترات السابقة، وهو ما انعكس بشكل مباشر على القوة الشرائية في السوق المصري الذي يتأثر لحظيًا بأسعار الشاشة العالمية.
التوقعات المستقبلية وعين المستثمرين على بيانات العمل الأمريكية
تتجه أنظار العالم حاليًا نحو يوم الجمعة المقبل، حيث من المقرر صدور بيانات الوظائف غير الزراعية في الولايات المتحدة لشهر يناير، وهي البيانات التي ستكون الفيصل في تحديد الخطوة القادمة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي. فإذا جاءت البيانات قوية، فقد نشهد مزيدًا من الارتفاع للدولار وبالتالي استمرار الضغط على الذهب، أما إذا ظهرت بوادر ضعف في سوق العمل، فقد يجد الذهب فرصة للارتداد التصحيحي نحو الأعلى.
وفي مصر، يظل نصيحة الخبراء للمستهلكين هي المتابعة الدقيقة وعدم الانجرار وراء الشائعات، مع التأكيد على أن الذهب يظل الوعاء الادخاري الأهم على المدى الطويل رغم التقلبات السعرية العنيفة التي تشهدها الأسواق العالمية في الوقت الراهن.