تكريم مغربي لمسيرة مصرية.. داليا البحيري تقتنص درع الإبداع في مهرجان سلا لفيلم المرأة
انطلقت مسيرة الفنانة داليا البحيري، ابنة مدينة طنطا بمحافظة الغربية، من منصات الجمال العالمية، حيث ولدت في 15 أكتوبر 1970، وحصلت على لقب ملكة جمال مصر عام 1990، لتمثل بلادها في مسابقة ملكة جمال العالم في لوس أنجلوس، محققة المركز السابع والعشرين في إنجاز لافت آنذاك.
لم تعتمد داليا على جمالها فحسب، بل صقلت موهبتها بالدراسة والعمل، فهي حاصلة على بكالوريوس كلية السياحة والفنادق، وعملت كمرشدة سياحية ومقدمة برامج على القناة الفضائية المصرية وعارضة أزياء، مما منحها حضورًا طاغيًا وكاريزما مميزة. وتوجت هذا المشوار بنصبها سفيرة للنوايا الحسنة في عام 2010 لمحاربة السكتة الدماغية، مؤكدة أن دور الفنان الحقيقي يتجاوز حدود الشاشة ليصل إلى خدمة القضايا الإنسانية والاجتماعية الملحة، وهو ما جعلها واحدة من أكثر النجمات تقديرًا واحترامًا في الوسط الفني المصري والعربي.
الانطلاقة الفنية: "محامي خلع" والتمرد على أدوار الفتاة الجميلة
دخلت داليا البحيري عالم التمثيل عام 2000، في فترة شهدت طفرة ما يُعرف بـ "سينما الممثلات"، حيث ظهرت لأول مرة في فيلم "علشان ربنا يحبك" مع المخرج الكبير رأفت الميهي. إلا أن نقطة التحول الحقيقية وسطوع نجمها في سماء النجومية جاءت من خلال دورها الكوميدي الشهير "رشا الورداني" في فيلم "محامي خلع" عام 2002 أمام النجم هاني رمزي،
حيث أثبتت قدرتها على تقديم الكوميديا الراقية بجانب جمالها الأخاذ. واصلت داليا بعد ذلك مشوارها الفني بخطى ثابتة، متمردة على أدوار "الفتاة الجميلة" التقليدية، لتخوض غمار الأدوار المركبة والصعبة في أفلام مثل "الباحثات عن الحرية" مع المخرجة إيناس الدغيدي، و"أحلام حقيقية" و"السفارة في العمارة" مع الزعيم عادل إمام، مما رسخ مكانتها كممثلة قادرة على تقديم كافة الأنماط الدرامية ببراعة وإتقان يحسبان لها في تاريخ السينما المصرية الحديثة.
الدراما التلفزيونية: بصمة تاريخية من "صرخة أنثى" إلى عالم "فلانتينو"
في التلفزيون، كانت داليا البحيري صاحبة ريادة في طرح قضايا اجتماعية شائكة وجريئة، حيث قدمت في عام 2007 مسلسل "صرخة أنثى" الذي ناقش قضية التحول الجنسي لأول مرة في الدراما العربية بشكل إنساني وعميق، محققة نجاحًا منقطع النظير. لم تتوقف عند هذا الحد، بل قدمت أعمالًا درامية متنوعة مثل "بنت من الزمن ده" و"ريش نعام" و"القاصرات".
وفي نقلة نوعية نحو الكوميديا الاجتماعية الطويلة، نجحت داليا في خطف قلوب الأسر المصرية والعربية من خلال مسلسل "يوميات زوجة مفروسة أوي" بأجزائه الخمسة، حيث جسدت شخصية "إنجي" الصحفية التي تعاني من مفارقات الحياة الزوجية، مما جعل المسلسل واحدًا من أيقونات الكوميديا الدرامية في السنوات الأخيرة. واستمر تألقها حتى وقوفها مرة أخرى أمام الزعيم عادل إمام في مسلسل "فلانتينو" عام 2020، لتؤكد أنها نجمة لا تخبو أضواؤها بمرور الزمن.
الحياة الخاصة: دروس الصمود والوفاء في مواجهة أزمات الحياة
تتسم الحياة الخاصة للفنانة داليا البحيري بالكثير من المحطات الإنسانية التي تعكس قوة شخصيتها وصمودها؛ فقد تزوجت للمرة الأولى وأنجبت ابنتها "خديجة" التي توفيت في عمر 8 أشهر، وهي الأزمة التي واجهتها بإيمان وشجاعة كبيرة.
تزوجت للمرة الثانية من "فريد المرشدي" (حفيد الفنان فريد شوقي) وأنجبت ابنتها "قسمت"، ولكن الزواج انتهى بالانفصال قبل أن يرحل طليقها في حادث مؤلم عام 2014. وفي ديسمبر 2016، بدأت فصلًا جديدًا من الاستقرار بزواجها من رجل الأعمال "حسن سامي". هذه التجارب الشخصية القاسية لم تزد داليا إلا إصرارًا على النجاح والتألق، حيث استطاعت الموازنة بين دورها كأم وبين مسيرتها الفنية الحافلة، لتظل مثالًا للمرأة المصرية العصرية التي تجمع بين الرقة والقوة في آن واحد.
التكريم الدولي والتقدير الثقافي: داليا البحيري نجمة فوق العادة لعام 2026
مع وصولنا لعام 2026، يظل اسم داليا البحيري مرادفًا للإبداع المتجدد، خاصة بعد تكريمها الأخير في مهرجان سلا الدولي لفيلم المرأة بالمغرب في سبتمبر 2024، تقديرًا لمشوارها الذي امتد لأكثر من ربع قرن. إن هذا التكريم لم يكن مجرد درع يُمنح، بل كان اعترافًا دوليًا بدورها في إثراء سينما المرأة وتقديم نماذج نسائية ملهمة على الشاشة.
وبجانب أعمالها السينمائية والدرامية، وضعت داليا بصمتها في عالم الرسوم المتحركة والمسلسلات الإذاعية، لتؤكد شمولية موهبتها. إن مسيرة داليا البحيري من منصة ملكات الجمال إلى كواليس الإرشاد السياحي وصولًا إلى قمة المجد الفني، تظل قصة ملهمة تؤكد أن الموهبة الحقيقية المسنودة بالإرادة والثقافة هي الضمانة الوحيدة للاستمرار والخلود في ذاكرة الفن العربي.