< إلهان عمر: رحلة كفاح من مخيمات اللجوء في كينيا إلى قبة الكونغرس الأمريكي
متن نيوز

إلهان عمر: رحلة كفاح من مخيمات اللجوء في كينيا إلى قبة الكونغرس الأمريكي

إلهان عمر
إلهان عمر

تعد إلهان عبد الله عمر، المولودة في الرابع من أكتوبر عام 1981، واحدة من أبرز الوجوه السياسية التي أثارت جدلًا واسعًا وتأثيرًا عميقًا في الساحة الأمريكية خلال العقد الأخير. إلهان، التي تنحدر من أصول صومالية، لم تكن مجرد سياسية عادية، بل كانت رمزًا لكسر القيود التاريخية في ولاية مينيسوتا والولايات المتحدة بشكل عام؛ فهي أول صومالية أمريكية تُنتخب في مجلس نواب مينيسوتا عام 2016، وسرعان ما صعدت إلى المستوى الوطني لتصبح أول لاجئة وأول سيدة من غير البيض تمثل ولايتها في الكونغرس الأمريكي بجانب زميلتها رشيدة طليب. إن وصول إلهان عمر إلى هذه المكانة لم يكن مفروشًا بالورود، بل كان نتاج رحلة شاقة بدأت من ويلات الحرب الأهلية في الصومال، مرورًا بسنوات اللجوء القاسية في كينيا، وصولًا إلى مواجهة تيارات سياسية عاتية في واشنطن، مما جعلها صوتًا لا يمكن تجاهله في قضايا العدالة الاجتماعية والسياسة الخارجية وحقوق المهاجرين.

وتعتبر إلهان عمر تجسيدًا لـ "الحلم الأمريكي" في نسخته الأكثر تحديًا؛ حيث استطاعت في غضون سنوات قليلة من وصولها إلى الولايات المتحدة عام 1995 وهي لا تجيد اللغة الإنجليزية، أن تتقن اللغة في ثلاثة أشهر وتتحول إلى ناشطة ومنظمة مجتمعية يشار إليها بالبنان. وبدعم من والدها وجدها اللذين غرسَا فيها مبادئ الديمقراطية والعمل العام، انطلقت إلهان في مسيرتها التعليمية والمهنية لتتوج بحصولها على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية والدراسات الدولية عام 2011. هذا التكوين الأكاديمي، الممزوج بخبرة ميدانية كمديرة حملات انتخابية ومساعدة شخصية في مجلس المدينة، صقل شخصيتها القيادية وجعلها مستعدة لخوض غمار الانتخابات التشريعية، حيث أثبتت قدرتها على حشد التأييد الشعبي وهزيمة منافسين عتيدين، لتصبح صوتًا قويًا للمهمشين والمدافعين عن حقوق الإنسان في أروقة السلطة الأمريكية.

النشأة والتعليم: من أزقة مقديشو إلى جامعات نورث داكوتا

ولدت إلهان عمر في العاصمة الصومالية مقديشو، لكن جذور طفولتها امتدت في مدينة بيدوا، حيث نشأت في عائلة كبيرة مكونة من سبعة أشقاء. فقدت إلهان والدتها في سن مبكرة، مما جعل والدها الذي كان يعمل مدرسًا، وجدها الذي عمل في قطاع النقل البحري، الركيزتين الأساسيتين في تربيتها وتنشئتها على حب العلم والسياسة. ومع اندلاع الحرب الأهلية الصومالية المدمرة عام 1991، انقلبت حياة العائلة رأسًا على عقب، مما اضطرهم للفرار وقضاء أربع سنوات من المعاناة في مخيمات اللاجئين في كينيا. هذه التجربة المريرة صقلت وعي إلهان المبكر بقضايا اللجوء وحقوق الإنسان، وجعلتها تدرك قيمة الاستقرار السياسي والعدالة الاجتماعية التي ستدافع عنها لاحقًا في مسيرتها السياسية داخل أمريكا.

بعد الهجرة إلى الولايات المتحدة عام 1995 والاستقرار النهائي في مدينة منيابولس بولاية مينيسوتا، بدأت إلهان مرحلة جديدة من التحدي لإثبات الذات في المجتمع الجديد. حضرت مدرسة أديسون الثانوية حيث برزت كطالبة منظمة للأنشطة، ثم واصلت شغفها بالسياسة في جامعة نورث داكوتا لتتخرج بامتياز عام 2011. إن انتقالها من طفلة لاجئة تعمل كمترجمة فورية لجدها في الاجتماعات السياسية وهي في سن الرابعة عشرة، إلى خبيرة في العلوم السياسية، يعكس مدى إصرارها على تحويل معاناتها الشخصية إلى وقود للنجاح المهني. هذه الخلفية التعليمية المتينة مكنتها من فهم تعقيدات السياسة الأمريكية والدولية، وأهلتها لشغل مناصب إدارية وتنسيقية هامة في قطاع التعليم وحملات مجلس الشيوخ، قبل أن تقرر خوض غمار الانتخابات بنفسها.

المسيرة المهنية والبرلمان: كسر الحواجز في مينيسوتا وواشنطن

بدأت إلهان عمر حياتها المهنية كناشطة في جامعة مينيسوتا، وسرعان ما تدرجت في العمل السياسي الميداني كمديرة لحملات انتخابية ناجحة ومنسقة في وزارة التعليم. وفي عام 2016، حققت إلهان المفاجأة الكبرى بفوزها بعضوية مجلس نواب مينيسوتا عن الحزب الديمقراطي، متفوقة على أسماء لها باع طويل في السياسة المحلية. هذا الفوز لم يكن مجرد مقعد برلماني، بل كان إعلانًا عن ميلاد حقبة جديدة من التمثيل السياسي للصوماليين والمسلمين في أمريكا. ولم تتوقف طموحاتها عند هذا الحد، فبحلول عام 2018، ترشحت لعضوية مجلس النواب الأمريكي، لتدخل التاريخ من أوسع أبوابه كواحدة من أولى النساء المسلمات وأول لاجئة صومالية تصل إلى الكونغرس، مما جعلها شخصية عالمية تحظى بمتابعة إعلامية واسعة.

داخل أروقة الكونغرس، تبنت إلهان عمر سياسات تقدمية واضحة، حيث دعت إلى رفع الحد الأدنى للأجور إلى 15 دولارًا للساعة، ودعمت بشدة مقترحات التعليم الجامعي المجاني لأبناء الأسر متوسطة الدخل. كما برزت كواحدة من أقوى الأصوات المنتقدة للسياسة الخارجية الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بملف الشرق الأوسط. ولم تتردد إلهان في وصف سياسات الاحتلال الإسرائيلي بأنها "نظام فصل عنصري"، داعية إلى مراجعة المساعدات العسكرية والتحقق من انتهاكات حقوق الإنسان. هذه المواقف الجريئة عرضتها لانتقادات حادة واتهامات بمعاداة السامية من قبل اليمين الأمريكي، لكنها ظلت متمسكة برأيها، مؤكدة أن انتقاد الحكومات والسياسات يختلف تمامًا عن كراهية الشعوب أو الأديان، وأن دورها كمشرعة يحتم عليها الدفاع عن القيم الإنسانية العالمية.

الصراع مع ترامب ولقب "ذا سكواد": مواجهة العنصرية والكراهية

شهدت مسيرة إلهان عمر محطة صعبة ومثيرة للجدل في يوليو 2019، عندما استهدفها الرئيس السابق دونالد ترامب بسلسلة من التغريدات العنصرية، مطالبًا إياها وعضوات "الفريق" (The Squad) بالعودة إلى "الأماكن التي أتين منها". هذا الهجوم أثار موجة غضب عارمة داخل الولايات المتحدة وخارجها، حيث صوّت مجلس النواب الأمريكي بإدانة تعليقات ترامب ووصفها بالعنصرية. إلهان من جانبها ردت بقوة، معتبرة أن ترامب يؤجج القومية البيضاء لأنه يخشى من التنوع ومن الشخصيات التي تكافح أجندته المليئة بالكراهية. هذا الصدام لم يزد إلهان إلا إصرارًا على مواصلة نهجها، وتحولت الهتافات المعادية لها في تجمعات ترامب إلى دافع لمزيد من الدعم الشعبي لها في دوائرها الانتخابية.

تظل إلهان عمر نموذجًا فريدًا للسياسية المثابرة التي لم تتخلَ عن مبادئها رغم الضغوط الهائلة. فمن طفلة هاربة من جحيم الحرب إلى مشرعة تصيغ القوانين في أقوى برلمانات العالم، أثبتت إلهان أن التنوع هو مصدر قوة للمجتمع الأمريكي. ورغم الجدل الدائم حول تصريحاتها السياسية أو إقراراتها المالية الأخيرة في 2024 و2025، يبقى تأثيرها كأول سيدة محجبة ولاجئة في الكونغرس علامة فارقة في تاريخ التمثيل السياسي المعاصر. إن قصة إلهان عمر هي تذكير مستمر بأن أصوات المهاجرين واللاجئين قادرة على صياغة مستقبل الأمم، وأن النضال من أجل العدالة يتطلب شجاعة استثنائية في وجه الكراهية والتمييز.