بعد تصريحات ترامب بشأن إيران.. الذهب يتحصن كالملاذ الآمن الوحيد ويحقق مكاسب 22% في 2026
استقر سعر الذهب اليوم في مصر، الخميس 29 يناير 2026، عند مستويات تاريخية غير مسبوقة، وسط حالة من الترقب الشديد في أسواق الصاغة والمستثمرين على حد سواء.
ويأتي هذا الاستقرار في قمة المنحنى السعري مدفوعًا بزيادة هائلة في الطلب العالمي من قبل البنوك المركزية التي تسعى لتنويع احتياطياتها بعيدًا عن العملات التقليدية، بالإضافة إلى الاندفاع الكبير من صناديق الاستثمار العالمية نحو المعدن الأصفر كأداة تحوط وحيدة ضد تقلبات الاقتصاد العالمي. هذا الطلب المتزايد دفع بأسعار الذهب عالميًا لملامسة مستوى 5300 دولار للأوقية (الأونصة) للمرة الأولى في التاريخ، وهو ما انعكس بشكل مباشر وعنيف على السوق المصري، حيث قفز عيار 21 ليخترق حاجز 7 آلاف جنيه، مسجلًا مرحلة جديدة من التضخم السعري في قطاع المعادن الثمينة لم تشهدها الأسواق من قبل.
وتشير البيانات الاقتصادية إلى أن المعدن الأصفر حقق مكاسب استثنائية بنسبة تجاوزت 22% منذ بداية عام 2026، مستكملًا سلسلة الارتفاعات الصاروخية التي بدأت في العام السابق.
ويعزو المحللون هذا الارتفاع إلى تضافر مجموعة من العوامل، أبرزها "فقدان الثقة" في استقرار السياسات النقدية والتوترات التجارية والسياسية التي تضرب مناطق متفرقة من العالم. وفي مصر، أصبح الذهب القبلة الأولى للمواطنين الراغبين في حفظ قيمة مدخراتهم، مما أدى إلى نقص في المعروض أمام الطلب المتزايد، وهو ما ساهم في بقاء الأسعار عند هذه المستويات المرتفعة رغم محاولات التهدئة التي تظهر أحيانًا في البورصات العالمية، مما يؤكد أن الذهب بات المحرك الرئيسي للثروات في ظل "عصر اللا يقين" الذي يعيشه الاقتصاد الدولي حاليًا.
أسعار الذهب اليوم في مصر: تفاصيل الأعيرة والجنيه الذهب
سجلت أسعار الذهب في السوق المصري اليوم الخميس أرقامًا تعكس حالة الارتفاع الكبيرة في التكلفة الشرائية، حيث جاءت الأسعار (دون المصنعية) على النحو التالي:
سعر الذهب عيار 24: سجل نحو 8086 جنيهًا للجرام، وهو العيار الأكثر نقاءً والمستخدم بشكل أساسي في صناعة السبائك الاستثمارية.
سعر الذهب عيار 21: سجل نحو 7075 جنيهًا للجرام، ويعد العيار الأكثر مبيعًا وتداولًا في محافظات مصر المختلفة، وتجاوزه لمستوى 7 آلاف جنيه يعد نقطة تحول تاريخية.
سعر الذهب عيار 18: سجل نحو 6064 جنيهًا للجرام، وهو العيار الذي يشهد إقبالًا في المشغولات الذهبية ذات التصاميم الحديثة.
سعر الجنيه الذهب: قفز ليصل إلى 56600 جنيه، وهو يزن 8 جرامات من عيار 21، ويعد الأداة الادخارية المفضلة لصغار المستثمرين في مصر.
طبول الحرب وتصريحات ترامب: المحرك الجيوسياسي لأسعار المعدن النفيس
لم يكن الارتفاع الجنوني في أسعار الذهب وليد الصدفة الاقتصادية فحسب، بل لعبت التوترات الجيوسياسية المتصاعدة الدور الأبرز في اشتعال البورصات. فقد زاد الطلب على "الملاذ الآمن" بقوة بعد التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي كشف فيها عن تحرك أسطول عسكري أمريكي ثانٍ نحو إيران،
في خطوة تهدف للضغط على طهران للقبول باتفاق جديد مع واشنطن. هذه الأنباء رفعت من وتيرة المخاوف من نشوب نزاع مسلح واسع النطاق في منطقة الشرق الأوسط، وهي المنطقة الحيوية لإمدادات الطاقة العالمية، مما دفع المستثمرين للهروب من الأسهم والسندات واللجوء فورًا إلى الذهب لحماية رؤوس أموالهم من مخاطر الانهيار الوشيك.
بالإضافة إلى الملف الإيراني، ساهم عدم اليقين بشأن السياسة الخارجية الأمريكية في مناطق أخرى في تعزيز قوة الذهب؛ حيث أدت التدخلات في فنزويلا والخلافات الدبلوماسية المتصاعدة حول جزيرة "غرينلاند" إلى تصعيد التوترات بين القوى العظمى.
هذه النزاعات خلقت حالة من "الضبابية السياسية" العالمية، مما جعل الذهب الخيار الوحيد الذي يتمتع بقيمة ذاتية لا تتأثر بقرارات الحكومات أو النزاعات الحدودية. وباتت الأسواق العالمية تترقب كل تصريح يخرج من البيت الأبيض أو من قادة القوى الإقليمية، حيث أصبح الرابط بين الخبر السياسي وسعر الذهب طرديًا وبشكل لحظي، مما جعل المضاربات تصل إلى ذروتها في الربع الأول من عام 2026.
الذهب والبنوك المركزية.. استراتيجية التحوط الكبرى في 2026
بعيدًا عن الأفراد والمستثمرين، كانت البنوك المركزية هي "اللاعب الخفي" والأقوى في دفع الأسعار نحو القمة؛ حيث تشير التقارير إلى أن بنوكًا مركزية كبرى، خاصة في الصين وروسيا والهند، قامت بعمليات شراء ضخمة للمعدن الأصفر منذ مطلع العام.
هذه السياسة تهدف إلى تقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي كعملة احتياطية دولية، في ظل التخوف من استخدامه كأداة للضغط السياسي أو العقوبات الاقتصادية. هذا الطلب المؤسسي الضخم يخلق "قاعًا سعريًا" مرتفعًا، مما يعني أنه حتى في حال هدوء التوترات السياسية، فإن الأسعار قد لا تعود لمستوياتها القديمة بسهولة نظرًا لضخامة الكميات المخزنة في خزائن البنوك المركزية.
وفي السياق ذاته، تلعب صناديق الاستثمار المتداولة في الذهب (ETFs) دورًا محوريًا في استقرار السعر عند مستوياته العالية؛ حيث شهدت هذه الصناديق تدفقات نقدية داخلة بمليارات الدولارات خلال شهر يناير الجاري. هذا التحول نحو "الذهب الورقي" المدعوم بالذهب الفيزيائي الفعلي، يزيد من حدة الندرة في الأسواق الحاضرة، ويجعل من أي حركة تصحيحية للأسعار فرصة ذهبية للمستثمرين للدخول مرة أخرى، مما يعزز من فرص استمرار الذهب في مساره الصاعد نحو مستويات قد تتجاوز الـ 5500 دولار قبل نهاية النصف الأول من العام، إذا ما استمرت وتيرة عدم اليقين السياسي على حالها.
مستقبل الذهب في مصر وتوقعات الأسواق خلال الفترة القادمة
يرى خبراء الاقتصاد في مصر أن استقرار الذهب عند هذه المستويات المرتفعة يضع عبئًا كبيرًا على المستهلك النهائي، إلا أنه في الوقت ذاته يعزز من مكانة الذهب كـ "مخزن للقيمة" لا يمكن منافسته.
التوقعات تشير إلى أن أسعار الذهب في مصر ستظل مرتبطة بشكل وثيق بسعر الصرف من جهة، وبحركة الأوقية العالمية من جهة أخرى. وفي ظل وصول عيار 21 إلى 7075 جنيهًا، بدأ النمط الاستهلاكي للمصريين يتغير نحو شراء السبائك والعملات الذهبية بدلًا من المشغولات التقليدية، وذلك لتقليل فاقد "المصنعية" وضمان أعلى عائد عند إعادة البيع في ظل التضخم الحالي.
ختامًا، يظل الذهب هو "ترمومتر" الأزمات العالمية؛ فكلما ارتفعت حدة التصريحات السياسية أو تزايدت التهديدات العسكرية، كلما لمع بريق المعدن الأصفر في شاشات التداول. إن عام 2026 يبدو كعام تاريخي للمعدن النفيس، حيث اجتمعت فيه كافة العوامل الداعمة للارتفاع، من حروب محتملة إلى تغيرات في موازين القوى الاقتصادية العالمية.
ويبقى السؤال المطروح في أروقة الصاغة المصرية: هل سيتوقف الذهب عند حاجز الـ 7 آلاف جنيه لعيار 21، أم أننا على موعد مع أرقام جديدة قد تذهل الجميع قبل نهاية العام؟ الإجابة تظل رهينة بما ستسفر عنه الأيام القادمة من اتفاقات سياسية أو انفجارات ميدانية في مناطق النزاع المشتعلة.