جامعة القاهرة والنزاهة الأكاديمية.. قصة نجاح من 14 حالة سحب إلى "الرقم صفر"
حققت جامعة القاهرة في مطلع عام 2026 طفرة نوعية غير مسبوقة في مؤشرات النزاهة الأكاديمية الدولية، حيث نجحت الجامعة العريقة في تسجيل "صفر حالات سحب أبحاث علمية" (Zero Retractions) طوال عام 2025، وذلك وفقًا للبيانات الرسمية الصادرة عن قاعدة بيانات "Retraction Watch" العالمية، والتي تُعد المرجع الدولي الأبرز لرصد الأبحاث المسحوبة نتيجة مخالفات علمية أو أخلاقية.
ويأتي هذا الإنجاز ليتوج مسيرة من العمل الدؤوب والحوكمة البحثية الصارمة، خاصة عند مقارنة هذه النتيجة بالسنوات السابقة، حيث شهد عام 2024 سحب 5 حالات، بينما سجل عام 2023 نحو 14 حالة سحب.
إن هذا التراجع الحاد في عدد المخالفات وصولًا إلى الرقم صفر يبرهن على أن جامعة القاهرة قد انتقلت من مرحلة معالجة الأخطاء البحثية إلى مرحلة الوقاية الكاملة وترسيخ ثقافة "النشر الرشيد"، مما يعزز مكانة الجامعة في التصنيفات الدولية ويؤكد أن البحث العلمي المصري يسير بخطى ثابتة نحو العالمية بأسس أخلاقية متينة وقواعد بحثية رصينة تضاهي كبريات الجامعات في أوروبا والولايات المتحدة.
د. محمد سامي عبدالصادق: النزاهة الأكاديمية ركيزة أساسية في استراتيجية الجامعة 2026
في تعليقه على هذا التقرير الشامل، أكد الدكتور محمد سامي عبدالصادق، رئيس جامعة القاهرة، أن الوصول إلى مستوى "صفر سحب أبحاث" ليس مجرد نجاح رقمي عابر، بل هو انعكاس لنجاح النهج المؤسسي القائم على المراجعة الدورية والتصحيح المستمر للسياسات البحثية بالجامعة.
وأوضح رئيس الجامعة أن الأمانة العلمية أصبحت اليوم عنصرًا أصيلًا في منظومة البحث العلمي، حيث تولي إدارة الجامعة ملف النزاهة أولوية قصوى ضمن رؤيتها لتطوير البحث العلمي وتعزيز تنافسيته على الصعيد العالمي.
وشدد د. عبدالصادق على أن هذا الإنجاز هو ثمرة مباشرة لحزمة من الإجراءات والآليات المؤسسية التي تم استحداثها لضمان استدامة الجودة، مؤكدًا التزام الجامعة الراسخ بدعم الباحثين وتوفير البيئة الخصبة لهم للابتكار مع الالتزام الصارم بالمعايير الدولية للنشر الأكاديمي، بما يضمن تعظيم الأثر العلمي محليًا ودوليًا وحماية سمعة الجامعة التاريخية كمنارة للعلم والمعرفة في الشرق الأوسط.
آليات الحوكمة البحثية وتفعيل لجان الأمانة العلمية بكليات الجامعة
لم يكن الوصول إلى هذا المستوى من الانضباط الأكاديمي وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تفعيل دور لجان الأمانة العلمية وأخلاقيات البحث العلمي في كافة الكليات والمعاهد التابعة لجامعة القاهرة.
وتعمل هذه اللجان وفق منظومة متكاملة تبدأ من مراجعة المقترحات البحثية والتحقق من التزامها بالمعايير الأخلاقية المعتمدة قبل البدء في التنفيذ، وتستمر المتابعة خلال كافة مراحل البحث وحتى وصول الورقة العلمية إلى منصات النشر الدولية.
إن هذه "الفلترة" الدقيقة تضمن خلو الأبحاث من أي ممارسات قد تشوبها شائبة الانتحال العلمي (Plagiarism) أو تزوير البيانات، مما يرفع من قيمة الإنتاج الفكري للجامعة. وأشار رئيس الجامعة إلى أن تطوير هذه الآليات يهدف في المقام الأول إلى بناء "مناعة مؤسسية" ضد الممارسات غير الأخلاقية في البحث، مما يسهم في رفع جودة الأبحاث المنشورة وزيادة معدلات الاستشهاد بها (Citations)، وهو ما يصب في مصلحة الباحث والجامعة والدولة المصرية بشكل عام.
د. محمود السعيد: برامج تدريبية ومكتب متخصص لتعزيز الوعي بأخلاقيات النشر
من جانبه، استعرض الدكتور محمود السعيد، نائب رئيس جامعة القاهرة لشئون الدراسات العليا والبحوث، الجهود المبذولة لنشر ثقافة النزاهة بين أعضاء هيئة التدريس والباحثين وطلاب الدراسات العليا.
وأشار د. السعيد إلى أن الجامعة نظمت سلسلة من ورش العمل والبرامج التدريبية المتخصصة التي تهدف إلى تعزيز الوعي العملي بأخلاقيات البحث ومواجهة ممارسات تزييف البيانات أو الإخلال بقواعد الإفصاح. ومن أبرز الخطوات التي اتخذتها الجامعة في هذا الصدد، إنشاء "مكتب النزاهة العلمية" الذي يضم نخبة من الخبراء المتخصصين في أخلاقيات النشر، ليكون مرجعًا تقنيًا وقانونيًا للباحثين.
هذا المكتب لا يكتفي بالرقابة، بل يقدم استشارات استباقية للباحثين حول كيفية اختيار المجلات العلمية الرصينة والابتعاد عن "المجلات المفترسة" التي قد تضر بسمعة الباحث الأكاديمية، مما خلق حالة من الثقة والالتزام المؤسسي بالمعايير الدولية المعتمدة في الأوساط الأكاديمية العالمية.
الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي.. دليل جامعة القاهرة الجديد 2026
في ظل التطور التكنولوجي المتسارع، واكبت جامعة القاهرة التحديات الجديدة التي فرضها الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي، حيث أعلن الدكتور محمود السعيد عن إلزام كافة الباحثين بالإفصاح الكامل عن أي استخدام لأدوات الذكاء الاصطناعي في إعداد أبحاثهم أو رسائلهم العلمية.
وتأتي هذه الخطوة استنادًا إلى "دليل الجامعة للاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي"، الذي يضع خطوطًا فاصلة بين الاستعانة بالتقنية لتطوير البحث وبين الاعتماد الكلي الذي قد يخل بأصالة الإنتاج الفكري.
هذا الدليل يتسق تمامًا مع استراتيجية جامعة القاهرة للذكاء الاصطناعي وتوجهات الجامعات العالمية الكبرى، حيث يهدف إلى حفظ حقوق الملكية الفكرية وتعزيز ممارسات النزاهة العلمية في العصر الرقمي. إن تحقيق "صفر سحب أبحاث" في عام 2025 يعد ترجمة عملية لنجاح هذا الدليل وقدرة الجامعة على تطويع التكنولوجيا الحديثة لخدمة العلم دون المساس بمعايير الأمانة الأكاديمية المتعارف عليها.
استدامة التميز العلمي ومستقبل البحث في جامعة القاهرة
إن وصول جامعة القاهرة إلى هذا المستوى المتميز من النزاهة الأكاديمية في عام 2026 يفتح آفاقًا جديدة للتعاون الدولي والشراكات البحثية مع كبريات المؤسسات العلمية حول العالم. فالثقة في نزاهة وجودة الأبحاث الصادرة عن الجامعة تعد "جواز مرور" للباحثين المصريين للمشاركة في مشروعات بحثية عالمية ممولة.
وتؤكد إدارة الجامعة أن الحفاظ على هذا الإنجاز (صفر سحب أبحاث) يتطلب استمرارية المراجعة والتقويم للسياسات البحثية، مع التوسع في استخدام برامج كشف الانتحال الحديثة وتحديث أدلة أخلاقيات البحث بصفة دورية.
إن هذه الرؤية المستقبلية تضمن لجامعة القاهرة البقاء في طليعة الجامعات التي تقدم إنتاجًا علميًا رصينًا يساهم في حل المشكلات المجتمعية ويدعم التنمية المستدامة، لتظل "جامعة القاهرة" دائمًا رمزًا للدقة والأمانة والتميز العلمي في قلب الجمهورية الجديدة.