شراكة استراتيجية بين البترول والصحة: "البتروكيماويات المصرية" تورد خامات المستلزمات الطبية
تخطو الدولة المصرية خطوات وثيقة نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على الاستيراد في قطاعات صناعية حيوية، وهو ما تجلى بوضوح خلال أعمال الجمعية العامة لشركة البتروكيماويات المصرية المخصصة لاعتماد موازنتها الاستثمارية للعام المالي 2026/2027.
يأتي هذا التحرك في سياق رؤية متكاملة لوزارة البترول والثروة المعدنية تهدف إلى تعظيم القيمة المضافة من الموارد الطبيعية، وتحويل مصر إلى مركز إقليمي لصناعة البتروكيماويات.
وقد أكد المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، خلال ترؤسه للجمعية، أن القطاع يضع على رأس أولوياته توطين صناعة المنتجات الأساسية التي تدخل في صلب الصناعات الوطنية، مشيرًا إلى أن شركة البتروكيماويات المصرية تمثل أحد الروافد الأساسية لتحقيق هذا الطموح، بما تملكه من خبرات عريقة وقدرة على مواكبة التطورات التكنولوجية العالمية في إنتاج خامات البوليمرات والكيماويات المتخصصة.
توطين منتج PVC K57 والسيادة الوطنية في صناعة الوثائق المؤمنة
يمثل نجاح شركة البتروكيماويات المصرية في إعادة إنتاج وتوطين منتج "PVC K57" بعد توقف دام لأكثر من ثلاثين عامًا، نقلة نوعية في مفهوم الأمن القومي الصناعي والخدمي.
فهذا المنتج ليس مجرد مادة خام بتروكيماوية عادية، بل هو المكون الأساسي في صناعة الوثائق المؤمنة التي تضمن حقوق المواطنين وتؤمن معاملاتهم اليومية، ومن أبرزها بطاقات الرقم القومي، والبطاقات البنكية الذكية، وحتى بعض فئات أوراق النقد الحديثة.
وأوضح الكيميائي أحمد مُوقّع، رئيس الشركة، أن هذا الإنجاز جاء نتيجة جهود بحثية وتقنية مكثفة لتلبية احتياجات الدولة من هذه الخامات عالية الجودة التي تتطلب مواصفات فنية دقيقة للغاية.
إن توافر هذا المنتج محليًا لا يساهم فقط في توفير العملة الصعبة، بل يضمن استدامة سلاسل التوريد لمشروعات التحول الرقمي والخدمات الحكومية المؤمنة، مما يضع مصر في مصاف الدول القادرة على تصنيع أدوات سيادتها المعلوماتية والمالية بأيدٍ وخامات وطنية.
قفزة إنتاجية ودراسات استراتيجية لخطوط إنتاج عالمية المستوى
شهد النصف الأول من العام المالي الجاري 2025/2026 طفرة غير مسبوقة في معدلات الإنتاج، حيث حققت الشركة أعلى خطة إنتاجية من مادة "PVC" مقارنة بالسنوات الخمس الماضية، بإجمالي بلغ نحو 41 ألف طن.
ولم تكتفِ الشركة بهذا النجاح، بل انتهت بالفعل من دراسة جدوى طموحة لإنشاء خط إنتاج جديد بالكامل بطاقة إنتاجية تصل إلى 120 ألف طن سنويًا، وهو ما يعكس التخطيط الاستراتيجي للتوسع والسيطرة على حصة أكبر من السوق الإقليمي.
هذا النمو الإنتاجي الملحوظ ارتبط بشكل مباشر بتوافر مادة التغذية من الغاز الطبيعي الغني بالمشتقات خلال العام الماضي، وهو ما يعكس التناغم بين قطاعات وزارة البترول المختلفة لضمان استمرارية الإمدادات.
كما أظهر التقرير نجاحًا موازيًا في قطاع الصودا الكاوية، حيث تم تحقيق الخطة المعتمدة بواقع 60 ألف طن، مما يعزز دور الشركة كلاعب رئيسي في تزويد قطاعات المنظفات، والورق، ومعالجة المياه باحتياجاتها الأساسية.
الدور الريادي في دعم قطاع الرعاية الطبية والمستلزمات الحساسة
يتسع نطاق تأثير شركة البتروكيماويات المصرية ليشمل قطاع الرعاية الصحية، حيث أشار رئيس الشركة إلى تزايد الإقبال العالمي والمحلي على أنماط معينة من منتج "PVC" المخصصة لصناعة المستلزمات الطبية.
وقد نال هذا الإنتاج إشادة واسعة من "هيئة الشراء الموحد" وكبرى شركات تصنيع الأدوات والمستلزمات الطبية في مصر، نظرًا لمطابقته لأعلى المعايير الصحية والتقنية.
إن الاعتماد على منتج مصري في صناعة الخراطيم الطبية، وأكياس الدم، والمستهلكات المعقمة، يعد شهادة ثقة في جودة الصناعة الوطنية، ويفتح آفاقًا جديدة للتصدير للأسواق المجاورة التي تبحث عن بدائل موثوقة وعالية الجودة.
هذا التميز يعزز من مكانة الشركة كشريك استراتيجي في منظومة الصحة العامة، ويؤكد أن البتروكيماويات هي عصب الصناعات التحويلية التي تمس حياة المواطن المصري بشكل مباشر يوميًا.
التحول نحو الطاقة الخضراء والالتزام الصارم بمعايير السلامة المهنية
في ضوء توجه الدولة نحو الاستدامة البيئية، استعرضت الشركة خططًا طموحة لدمج الطاقة المتجددة في عملياتها التشغيلية، حيث تم الانتهاء من تنفيذ وحدة طاقة شمسية فوق مبنى التسويق، مع وضع مخطط شامل لإنشاء محطة طاقة شمسية عملاقة بقدرة 25 ميجاوات لتقليل البصمة الكربونية للشركة وخفض تكاليف الطاقة.
وبالتوازي مع هذا التطور التكنولوجي، تظل السلامة والصحة المهنية هي العقيدة الراسخة في أداء الشركة، حيث تم التأكيد على الالتزام الكامل بالإجراءات الوقائية، مما أدى إلى عدم تسجيل أي حوادث أو إصابات عمل خلال الفترة الماضية.
كما تولي الشركة اهتمامًا خاصًا بالعنصر البشري من خلال تأهيل السائقين ومقاولي النقل للحصول على شهادات القيادة الآمنة، لضمان وصول المنتجات بأمان تام، وهو ما يعكس منظومة إدارية متكاملة توازن بين زيادة الإنتاج وحماية البيئة وصون أرواح العاملين.