كارثة مناخية في شتاء 2026: حالة الطوارئ في واشنطن و10 ولايات أمريكية مع استمرار تساقط الثلوج الكثيفة
تواجه الولايات المتحدة الأمريكية في مطلع عام 2026 واحدة من أقسى العواصف القطبية في تاريخها الحديث، حيث أحكمت موجة برد قارس قبضتها على معظم أنحاء البلاد، مخلفة وراءها خسائر بشرية ومادية فادحة.
ووفقًا لآخر الإحصائيات الصادرة اليوم الإثنين، فقد أودت العاصفة القطبية بحياة 23 شخصًا على الأقل في حوادث مرتبطة بالصقيع والانهيارات الثلجية، بينما يعيش أكثر من 600 ألف مشترك في حالة ظلام تام نتيجة انقطاع التيار الكهربائي.
هذه العاصفة التي يصفها خبراء الأرصاد بأنها "دوامة قطبية" استثنائية، لم تكتفِ بتعطيل حركة الحياة اليومية، بل تحولت إلى مادة للسجال السياسي الحاد، بعد أن استغل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذه الظروف القاسية لتجديد شكوكه حول ظاهرة الاحترار العالمي، متسائلًا عبر منصته "تروث سوشال" عن مصير التوقعات المناخية في ظل هذا التجمد الذي يلف البلاد من شمالها إلى جنوبها.
أرقام قياسية تحت الصفر: حينما تصبح الحرارة المحسوسة 45 درجة مئوية تحت الصفر
في منطقة البحيرات العظمى الواقعة شمالي البلاد، استيقظ ملايين السكان على واقع مرير، حيث انخفضت درجات الحرارة الفعلية إلى أدنى من 20 درجة مئوية تحت الصفر، ووصلت في أجزاء من ولايتي مينيسوتا وويسكونسن إلى أقل من 30 درجة تحت الصفر.
وبحسب هيئة الأرصاد الجوية الوطنية، فإن الأسوأ لم يأتِ بعد، إذ من المتوقع أن تندفع كتلة هوائية قطبية إضافية نحو مناطق وسط البلاد، مما قد يؤدي إلى انخفاض الحرارة المحسوسة (تأثير الرياح) إلى مستوى كارثي يصل إلى 45 درجة مئوية تحت الصفر.
هذه المستويات من البرودة تشكل خطرًا مميتًا على الحياة البشرية في غضون دقائق من التعرض المباشر للهواء، مما دفع السلطات إلى إصدار تحذيرات صارمة للسكان بضرورة البقاء في المنازل وعدم الخروج إلا في حالات الضرورة القصوى، وسط مخاوف من تجمد البنية التحتية لشبكات المياه والصرف الصحي.
شلل في شبكة الطاقة: 600 ألف أسرة تعيش في الظلام وسط الجليد
أدى تساقط الثلوج الكثيف، الذي تجاوزت سماكته 30 سنتيمترًا في نحو 20 ولاية، إلى انهيار أجزاء واسعة من شبكة توزيع الكهرباء، خاصة في المناطق الجنوبية التي لا تمتلك بنية تحتية مهيأة لمثل هذه الظروف الجوية القاسية.
وبحسب موقع "باور أوتج" المتخصص في رصد انقطاعات الطاقة، يعاني قرابة 200 ألف شخص في ولاية تينيسي وأكثر من 147 ألفًا في ولاية ميسيسيبي من غياب التيار الكهربائي، حيث تسبب تراكم الجليد في سقوط خطوط الضغط العالي والأعمدة. وصرحت خبيرة الأرصاد الجوية أليسون سانتوريلي بأن عمليات الإصلاح قد تستغرق أيامًا طويلة، نظرًا لصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة وعدم توفر الموارد اللازمة لإزالة الثلوج الكثيفة في الولايات الجنوبية التي لا تعتاد على مثل هذه الأحداث المناخية المتطرفة، مما ينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية للمحاصرين في منازلهم دون تدفئة.
ضحايا العاصفة: قصص مأساوية وحالة طوارئ في 20 ولاية أمريكية
لم تكن الأرقام مجرد إحصائيات، بل حملت قصصًا مأساوية لضحايا سقطوا في مواجهة "الجنرال شتاء". ففي ولاية تكساس، أكدت السلطات وفاة ثلاثة أشخاص، بينهم فتاة تبلغ من العمر 16 عامًا لقيت حتفها في حادث تزلج مأساوي، بينما سجلت لويزيانا وفاتين بسبب انخفاض حرارة الجسم (Hypothermia).
وفي نيويورك، لا يزال التحقيق جاريًا في أسباب وفاة ثمانية أشخاص عُثر عليهم خلال عطلة نهاية الأسبوع. هذا الوضع المأساوي دفع الإدارة الأمريكية لإعلان حالة الطوارئ في نحو 20 ولاية بالإضافة إلى العاصمة واشنطن، لتمكين السلطات من استخدام الموارد الفيدرالية في عمليات الإنقاذ. كما شُلت حركة النقل الجوي والبري تمامًا، حيث تم إلغاء أكثر من 19 ألف رحلة جوية منذ يوم السبت، وتوقفت العمليات في مطارات رئيسية مثل فيلادلفيا ونيويورك، مما تسبب في تقطع السبل بعشرات الآلاف من المسافرين.
الجدل السياسي والمناخي: ترامب والدوامة القطبية وحقيقة الاحترار العالمي
أعادت هذه العاصفة الجدل حول التغير المناخي إلى الواجهة، حيث استخدم الرئيس دونالد ترامب البرودة القاسية كذريعة للسخرية من المدافعين عن البيئة، متسائلًا: "ماذا حدث للاحترار؟".
وفي المقابل، يرى العلماء أن هذه "الدوامة القطبية" التي امتدت جنوبًا من القطب الشمالي هي بحد ذاتها دليل على اضطراب الأنظمة المناخية. فبينما يرتفع متوسط درجات الحرارة عالميًا، تزداد وتيرة الظواهر المتطرفة، حيث يؤدي ضعف التيار النفاث الناتج عن دفء القطب الشمالي إلى "تسرب" الهواء القطبي نحو مناطق لم تكن تصلها هذه البرودة سابقًا. ورغم أن النقاش العلمي لم يحسم بعد بشكل نهائي حول مدى ارتباط كل عاصفة على حدة بالتغير المناخي، إلا أن المؤسسات الدولية مثل "ميونخ ري" تؤكد أن خسائر الكوارث الطبيعية في تزايد مستمر نتيجة التقلبات المناخية الحادة التي يشهدها كوكب الأرض في عام 2026.
التبعات الاقتصادية والإنسانية: أزمة تتجاوز مجرد برودة الجو
تتجاوز آثار هذه العاصفة مجرد انخفاض درجات الحرارة، إذ تحذر هيئة الأرصاد الجوية من تراكمات جليدية قد تكون لها تبعات "كارثية" على الاقتصاد الأمريكي. فتعطل حركة الشحن والنقل البري يؤدي إلى نقص في السلع الأساسية وارتفاع في أسعار الطاقة، كما أن الأضرار التي لحقت بالمنازل والممتلكات نتيجة انفجار أنابيب المياه وتضرر الأسقف ستحتاج إلى مليارات الدولارات لإصلاحها.
وفي المقارنة الدولية، يبرز الوضع في أوكرانيا التي تواجه بردًا قارسًا مماثلًا بالتزامن مع استهداف منشآت الطاقة، مما يجعل من الشتاء الحالي تحديًا وجوديًا للأمن القومي لعدة دول. إن استمرار موجة البرد في الولايات المتحدة يضع الإدارة الحالية أمام اختبار حقيقي لقدرتها على إدارة الأزمات الكبرى في ظل انقسام سياسي حول مسببات هذه الكوارث الطبيعية.
شتاء 2026 يضع أمريكا أمام تحديات البنية التحتية والمناخ
ختامًا، تظل العاصفة الثلجية الحالية في الولايات المتحدة تذكيرًا صارخًا بضعف البنية التحتية البشرية أمام جبروت الطبيعة. إن وفاة 23 شخصًا وانقطاع الكهرباء عن مئات الآلاف يفرض ضرورة إعادة النظر في خطط الاستعداد للطوارئ، خاصة في الولايات التي كانت تُعتبر "دافئة" تاريخيًا.
وسواء كانت العاصفة نتاجًا لتقلبات طبيعية أو نتيجة مباشرة لتغير المناخ، فإن النتيجة واحدة: معاناة إنسانية واسعة وشلل اقتصادي يتطلب حلولًا جذرية تتجاوز السجالات السياسية. ستبقى العيون معلقة بخرائط الطقس في الأيام القادمة، وسط آمال بأن تبدأ الكتلة القطبية في الانحسار، لتبدأ بعدها رحلة طويلة من التعافي وإصلاح ما دمره الجليد في واحدة من أسوأ الأزمات الشتوية التي شهدتها أمريكا في العقود الأخيرة.