< من "نعيمة" إلى "فاطمة": رحلة سعاد حسني في حفر اسمها ضمن قائمة أعظم 100 فيلم في التاريخ
متن نيوز

من "نعيمة" إلى "فاطمة": رحلة سعاد حسني في حفر اسمها ضمن قائمة أعظم 100 فيلم في التاريخ

سعاد حسني
سعاد حسني

تحل علينا ذكرى ميلاد الفنانة الكبيرة سعاد حسني، لتفتح أبواب الذاكرة نحو عصر ذهبي كانت فيه هي "البوصلة" التي توجه الإبداع السينمائي في مصر والوطن العربي. 

لم تكن سعاد حسني مجرد ممثلة جميلة تمتلك كاريزما طاغية، بل كانت طاقة تعبيرية فذة استطاعت أن تدمج بين البراءة والتمرد، وبين الشقاوة والدراما العميقة، مما جعلها تحتل مكانة فريدة في قلوب الملايين.

 ومن خلال هذا التقرير، نسلط الضوء على تلك الموهبة الخالصة التي ساعدتها على لعب أعقد الأدوار الإنسانية والاجتماعية بأسهل الطرق وأكثرها تأثيرًا، حيث لم يكن تمثيلها مجرد أداء لنص مكتوب، بل كان انصهارًا كاملًا في الشخصية، وهو ما جعل أعمالها تحفر أسماءها بمداد من نور في عالم النجومية وتظل صامدة أمام اختبار الزمن والتبدلات الفنية المتلاحقة.

نعيمة: الانطلاقة الأسطورية لطفلة الـ 16 عامًا في محراب النجومية

بدأت رحلة السندريلا مع الأضواء بفيلم "حسن ونعيمة"، والذي يُعد البداية الحقيقية لأسطورة لم تتكرر، حيث خاضت سعاد حسني أولى بطولاتها المطلقة وهي في سن السادسة عشرة فقط. ورغم صغر سنها، إلا أنها استطاعت تكوين ثنائي ناجح ومؤثر مع الفنان محرم فؤاد، وجسدت دور "نعيمة" باقتدار أذهل النقاد والجمهور آنذاك. 

كان هذا الفيلم بمثابة شهادة ميلاد فنية لفتاة ريفية رقيقة، استطاعت بملامحها المصرية الأصيلة وصوتها العذب أن تنقل مشاعر الحب العذري والتمرد على العادات والتقاليد الظالمة، ليحقق العمل نجاحًا منقطع النظير، ويضع سعاد حسني مباشرة في صفوف نجمات الصف الأول، معلنًا عن ولادة "سندريلا" ستغير وجه السينما المصرية لعقود طويلة قادمة.

فاطمة في "الزوجة الثانية": ملحمة الصمود في وجه الطغيان الريفي

تنتقل سعاد حسني في محطة أخرى إلى واحد من أعظم أفلام السينما العربية قاطبة، وهو فيلم "الزوجة الثانية" الذي أخرجه العبقري صلاح أبو سيف. في هذا العمل الذي صُنف ضمن أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما، جسدت سعاد دور "فاطمة"، الزوجة الفلاحة البسيطة التي تقف بذكائها وفطرتها في وجه عمدة القرية الظالم (صلاح منصور).

 قدمت سعاد في هذا الفيلم "ماستر كلاس" في التمثيل، حيث تخلت عن رقتها المعهودة لتتقمص شخصية المرأة القوية الماكرة التي تنتزع حقوقها بالدهاء والمثابرة. إن التناغم الكبير بينها وبين العمالقة سناء جميل وصلاح منصور جعل من الفيلم ملحمة فنية لا تزال تحظى بمشاهدات قياسية كلما عُرضت على شاشة التلفزيون، مؤكدة على قدرة سعاد الفائقة في تجسيد الهوية المصرية بكل تفاصيلها.

"القاهرة 30" و"شفيقة ومتولي": الغوص في تعقيدات النفس البشرية والصراع الطبقي

في قالب سينمائي مختلف، أبدعت سعاد حسني في فيلم "القاهرة 30"، حيث سُلط الضوء على القاهرة في فترة الصراع بين الاحتلال الإنجليزي والمصريين، مقدمة دورًا مركبًا وصعبًا يعكس تهاوي القيم الأخلاقية أمام الحاجة المادية وضغط الطبقات الإقطاعية. لم يتوقف إبداعها عند هذا الحد، بل تجلى في أبهى صوره في ملحمة "شفيقة ومتولي"، حيث اشتركت مع كوكبة من المبدعين مثل أحمد زكي ومحمود عبد العزيز.

 في هذا الفيلم، لعبت سعاد دور "شفيقة" باقتدار تراجيدي مهيب، وكونت ثنائيًا مميزًا مع الراحل أحمد زكي الذي لعب دور شقيقها، ليقدما معًا فيلمًا يراه الكثيرون متكاملًا فنيًا، حيث استطاعت سعاد أن تنقل مأساة المرأة التي تقع ضحية لظروف المجتمع القاسية وتدفع ثمن كرامتها دمًا ودموعًا.

"خلي بالك من زوزو": عندما تحولت السندريلا إلى أيقونة للبهجة والاستعراض

لا يمكن الحديث عن سعاد حسني دون التوقف عند فيلم "خلي بالك من زوزو"، الفيلم الاستعراضي الذي كسر كافة الأرقام القياسية في شباك التذاكر واستمر عرضه لأكثر من عام في دور السينما. 

في هذا العمل، أدخلت سعاد البهجة على قلوب المشاهدين من خلال الأغاني والاستعراضات التي قدمتها بخفة ظل لا تضاهى. جسدت سعاد دور طالبة الجامعة "زوزو" التي تعاني من صراع بين طموحها الأكاديمي وخلفيتها كابنة لراقصة في شارع محمد علي. لقد استطاعت السندريلا في هذا الفيلم أن تثبت أنها فنانة شاملة، تغني وترقص وتمثل، وتجعل المشاهد يصدق كل تحول في مشاعرها، مما جعل من "زوزو" لقبًا التصق بها وبات رمزًا للتحرر والانطلاق والتمسك بالحلم رغم كل المعوقات الاجتماعية.

سعاد حسني الإرث الذي لا يغيب وبريق الذهب الذي لا يصدأ

في نهاية المطاف، تظل سعاد حسني هي النموذج الأسمى للفنانة التي استوعبت جوهر السينما وتفاعلت مع قضايا مجتمعها بصدق شديد. إن تنوع أدوارها بين الريفية البسيطة، والطالبة الجامعية، والمرأة المكسورة، والأنثى المتمردة، يعكس ثقافة فنية واسعة وقدرة على التجدد لم تتوفر لكثير من معاصراتها. 

وفي ذكرى ميلادها، ندرك يقينًا أن غياب جسدها لم يمنع بريقها من الاستمرار، فأفلامها لا تزال مدرسة يتعلم منها الأجيال الجديدة فنون الأداء والتقمص. ستبقى سعاد حسني هي "السندريلا" التي لا تغيب، والأيقونة التي حفرت اسمها بأدوارها الخالدة في وجدان كل عربي، لتظل دائمًا "الزوجة الثانية" و"زوزو" و"شفيقة" ونعيمة"، والرمز الأبدي للموهبة التي لا تموت.