خبير طقس روسي: تراكمات الثلج في قرية سوسنوفكا حطمت أرقام القرن الحادي والعشرين
تعيش شبه جزيرة كامتشاتكا في الشرق الأقصى الروسي أيامًا وصفت بـ "القيامية" في ظل عاصفة ثلجية غير مسبوقة، لم تشهد المنطقة مثلها منذ ثلاثة عقود وفقًا لبعض الإحصاءات، ومنذ قرن ونصف وفقًا لسجلات مناخية أخرى.
في مشهد يحبس الأنفاس، تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات توثق وصول الثلوج إلى الأدوار العليا من المباني السكنية، محولة المدن إلى غابات من الجليد الأبيض الذي طمس معالم الحياة تمامًا.
بيانات "مرعبة" عن الارتفاعات الثلجية
أعلن ميخائيل ليوس، الخبير الرئيسي في مركز الطقس "فوبوس"، أن ارتفاع الغطاء الثلجي في العاصمة الإقليمية بيتروبافلوفسك-كامتشاتسكي تراوح بين 51 و133 سنتيمترًا. ومع ذلك، سجلت المناطق المجاورة أرقامًا أكثر فتكًا، حيث وصل الارتفاع في قرية سوسنوفكا إلى 163 سنتيمترًا، وهو أعلى معدل هطول يُسجل في المنطقة منذ بداية القرن الحالي، بل وأشار خبراء إلى أن هذه التراكمات حطمت أرقامًا قياسية تعود لعام 1880م.
حالة الطوارئ وتبعات قانونية
بسبب هذا الوضع المتأزم، أعلنت السلطات الروسية حالة الطوارئ في شبه الجزيرة منذ 15 يناير 2026. ولم تتوقف الأزمة عند شلل حركة المرور فحسب، بل وصلت إلى حد الفواجع الإنسانية؛ حيث لقي شخصان مصرعهما جراء انهيار كتل ثلجية ضخمة من سطح أحد المباني.
وعلى إثر ذلك، فتحت السلطات القضائية قضية جنائية بتهمة "تقديم خدمات لا تلبي متطلبات السلامة"، وهي تهمة قد تصل عقوبتها القصوى إلى السجن لمدة 6 سنوات، وغرامة مالية تصل لـ 500 ألف روبل. ومن جانبها، أصدرت وزارة الطوارئ الروسية تحذيرات مشددة للسكان من "القفز في الجروف الثلجية"، خوفًا من وجود أجسام معدنية أو سيارات مدفونة تحت الثلوج قد تسبب إصابات قاتلة.
الحياة داخل "أنفاق" الجليد
تحولت شوارع كامتشاتكا إلى ممرات تشبه الأنفاق؛ حيث يضطر السكان لحفر ممرات عميقة للوصول إلى أبواب منازلهم أو لاستخراج سياراتهم التي اختفت تمامًا تحت الثلوج. هذه المشاهد التي ظن البعض أنها من صنع الذكاء الاصطناعي، أصبحت واقعًا ملموسًا للسكان الذين يواجهون شتاءً هو الأعنف في تاريخهم الحديث.
الخلفية الجيولوجية: زلازل تطارد شبه الجزيرة
لم يكن المناخ هو التحدي الوحيد، فشبه جزيرة كامتشاتكا تقع في "حزام النار"، وقد شهدت نشاطًا زلزاليًا مرعبًا في الأشهر الماضية. ففي نوفمبر 2025، سجلت المنطقة زلزالًا بقوة 5.7 درجة، سبقه زلزال مدمر في يوليو 2025 بلغت شدته 8.8 درجة، وهو الأقوى الذي تشهده شبه الجزيرة منذ عام 1952، مما يضع سكان هذه المنطقة النائية تحت مطرقة الزلازل وسندان العواصف الثلجية التاريخية.
دروس من كامتشاتكا.. المناخ في مواجهة الإنسان
إن ما يحدث في شبه جزيرة كامتشاتكا الروسية اليوم ليس مجرد "عاصفة ثلجية" عابرة، بل هو جرس إنذار حقيقي حول التغيرات المناخية المتطرفة التي بدأت تضرب كوكبنا في 2026 بصورة غير متوقعة.
فبينما يتحدث العالم عن "الاحتباس الحراري"، تُظهر هذه العواصف الثلجية التاريخية أن التغيير المناخي لا يعني فقط ارتفاع درجات الحرارة، بل يعني اضطرابًا شاملًا في المنظومة الكونية يؤدي إلى حالات قصوى من البرودة والهطول، وهو ما يضع الأنظمة الدفاعية والمدنية لأقوى الدول في حالة استنفار دائم.
هذه المشاهد القاسية لسكان يحفرون "أنفاقًا" للوصول إلى أساسيات الحياة، تذكرنا بمدى هشاشة البنية التحتية البشرية أمام قوى الطبيعة الغاشمة.
إن المسؤولية الآن لم تعد تقتصر على "إزاحة الثلوج" أو إعلان الطوارئ، بل تقع على عاتق المجتمع الدولي لفهم هذه الظواهر المتطرفة التي جعلت من "كامتشاتكا" منطقة منكوبة بردًا وزلازل.
إن التضامن مع سكان تلك المناطق النائية الذين يواجهون الموت تحت أطنان من الجليد هو واجب إنساني، والدروس المستفادة من هذه الأزمة يجب أن تُترجم إلى خطط استباقية عالمية لمواجهة "جموح المناخ" الذي يبدو أنه قرر إعادة رسم خريطة الحياة على الأرض بطريقته الخاصة. نسأل الله السلامة لأهلنا في كل مكان يواجهون فيه تقلبات الطبيعة.