أزمات سياسية وتحديات لوجستية.. هل ينجح ترامب وإنفانتينو في تنظيم أضخم مونديال بالتاريخ؟
مع اقتراب عام 2026، تتجه أنظار العالم نحو قارة أمريكا الشمالية، حيث تستعد الولايات المتحدة وكندا والمكسيك لاستضافة كأس العالم 2026.
هذه النسخة لا تمثل مجرد بطولة دورية، بل هي ثورة في عالم الساحرة المستديرة، حيث كشفت التقارير، عن ستة تغييرات جوهرية ستجعل من هذه البطولة تجربة فريدة لم يسبق لها مثيل في تاريخ "الفيفا" منذ انطلاق المسابقة عام 1930.
تحالف القارة الثلاثي والتوترات السياسية
لأول مرة في التاريخ، تُقام البطولة بشكل مشترك بين ثلاث دول ضخمة ورغم نجاح تجربة اليابان وكوريا الجنوبية عام 2002، إلا أن مونديال 2026 يأتي في سياق سياسي معقد؛ حيث تشهد العلاقات بين واشنطن وأوتاوا ومكسيكو سيتي توترًا ملحوظًا منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، مما يضع التنظيم المشترك تحت مجهر الاختبار السياسي واللوجستي.
التوسع التاريخي.. 48 منتخبًا و104 مباريات
اعتمد رئيس الفيفا جياني إنفانتينو نظامًا جديدًا برفع عدد المنتخبات من 32 إلى 48 فريقًا. هذا القرار سيؤدي إلى زيادة هائلة في عدد المباريات ليصل إلى 104 مباريات بدلًا من 64. البطولة ستشهد 12 مجموعة، مع استحداث "جولة الـ 32" الإقصائية، مما يطيل أمد البطولة إلى 39 يومًا، بزيادة 10 أيام عن نسخة قطر 2022.
وجوه جديدة تقتحم المسرح العالمي
فتح التوسع الجديد الباب أمام منتخبات لم يكن يحلم مشجعوها بالوصول للمونديال. ستشهد نسخة 2026 المشاركة الأولى لمنتخبات الرأس الأخضر، كوراكاو، الأردن، وأوزبكستان. ومن المثير للاهتمام مشاركة كوراكاو، التي يقل سكانها عن 160 ألف نسمة، مما يثبت أن الحلم المونديالي بات متاحًا للجميع.
ماراثون السفر والمسافات الشاسعة
سيواجه المشجعون واللاعبون صدمة جغرافية؛ فالمسافة بين مدن الاستضافة هائلة. على سبيل المثال، تبلغ المسافة بين فانكوفر وميامي حوالي 4507 كيلومترات. هذا التباين الجغرافي يفرض تحديات قاسية على المنتخبات؛ إذ سيتعين على منتخب مثل ألمانيا قطع آلاف الكيلومترات للتنقل بين مباريات دور المجموعات، وهو ما يتطلب خططًا بدنية واستشفائية معقدة.
استراحات إجبارية لمواجهة المناخ
في إجراء تنظيمي جديد، أعلنت الفيفا أن جميع المباريات ستشهد استراحات إجبارية لتناول السوائل بعد مرور 22 دقيقة من كل شوط، بغض النظر عن حالة الطقس. يأتي هذا القرار لحماية اللاعبين من درجات الحرارة المرتفعة المتوقعة في صيف أمريكا الشمالية، وضمان الحفاظ على وتيرة الأداء البدني العالي.
حظر السفر والمخاوف الأمنية
تلقي السياسة بظلالها على الحضور الجماهيري؛ حيث تواجه دول مثل إيران وهايتي والسنغال قيودًا على سفر مشجعيها إلى الولايات المتحدة بسبب قرارات إدارية.
كما تبرز مخاوف بشأن تغيير الملاعب المستضيفة، حيث لوح الرئيس ترامب بنقل المباريات من "المدن الديمقراطية" لأسباب أمنية، وهو أمر لم يبدِ إنفانتينو اعتراضًا عليه، مؤكدًا أن "الأمن هو الأولوية الأولى".
يمثل مونديال 2026 نقطة تحول مفصلية في تاريخ الرياضة العالمية، حيث يتجاوز المفهوم التقليدي لكرة القدم ليصبح ظاهرة جيوسياسية واقتصادية عابرة للحدود.
إن قرار توسيع المشاركة لـ 48 منتخبًا ليس مجرد زيادة عددية، بل هو محاولة لتعزيز "عولمة اللعبة" ومنح الأمل لمنتخبات كانت ترى المونديال حلمًا بعيد المنال. ومع ذلك، فإن هذا الطموح يصطدم بواقع جغرافي وسياسي معقد يفرضه التنظيم الثلاثي والتوجهات السياسية الجديدة في واشنطن.
إن نجاح هذه البطولة سيعتمد بشكل أساسي على قدرة اللجنة المنظمة على تذليل عقبات السفر وتأمين وصول الجماهير من مختلف الأعراق والجنسيات، بعيدًا عن قيود التأشيرات والحظر.
فالمونديال، بصفته عرس الكوكب الأكبر، يجب أن يظل جسرًا للتواصل لا ساحة للمواجهة السياسية وبينما تترقب الجماهير صافرة البداية، يبقى الرهان على قدرة كرة القدم في الحفاظ على بريقها الفني وسط غابة من الحسابات التجارية واللوجستية.
إن ملعب "نيويورك نيوجيرسي" الذي سيستضيف النهائي في 19 يوليو 2026، لن يشهد فقط تتويج بطل العالم، بل سيشهد نجاح أو فشل أضخم تجربة تنظيمية في تاريخ الرياضة. نتمنى أن تكون نسخة 2026 احتفالية تليق بشغف الشعوب، وأن تثبت أن الساحرة المستديرة قادرة على توحيد ما تفرقه السياسة.