صدمة وتباين آراء.. تفاصيل قرار الحكومة العراقية بوقف مخصصات الشهادات العليا لعام 2026
أثار قرار مجلس الوزراء العراقي الأخير، الصادر في مطلع شهر يناير 2026، موجة من الجدل الواسع والصدمة في الأوساط الوظيفية. ويقضي القرار بوقف احتساب الشهادات الدراسية الإضافية التي يحصل عليها الموظفون أثناء الخدمة لجميع الأغراض المالية والإدارية، واعتماد الشهادة التي جرى التعيين بها لأول مرة كشهادة نهائية.
يأتي هذا الإجراء كجزء من "حزمة تقشفية" شاملة تهدف إلى ضبط الإنفاق الحكومي ومعالجة العجز المالي المتزايد في موازنة 2026.
جوهر القرار: ماذا تغير في رواتب 2026؟
وفقًا للوثائق الرسمية وتوصيات المجلس الوزاري للاقتصاد (رقم 26005ق)، فإن القرار يعني ما يلي:
تجميد الترقية بالشهادة: لن يتم رفع الدرجة الوظيفية للموظف أو منح علاوات إضافية بناءً على شهادات الماجستير أو الدكتوراه المحصلة بعد تاريخ 2 يناير 2026.
الشهادة الأولى هي الفيصل: تصبح الشهادة التي عُين الموظف بموجبها هي المرجع الوحيد لتحديد راتبه ومساره الوظيفي طوال مدة خدمته.
عدم الأثر الرجعي: أوضح المجلس الوزاري للاقتصاد أن القرار لا يسري على الشهادات التي جرى احتسابها أصوليًا وصدرت بها أوامر إدارية قبل مطلع عام 2026، مما يطمئن الموظفين الذين تمت تسوية أوضاعهم سابقًا.
الاستثناءات المحسوبة في القرار
حرصت الحكومة على استثناء فئات معينة لضمان استمرار كفاءة القطاعات الحيوية، وهي:
الملاكات التدريسية في وزارة التعليم العالي: للحفاظ على جودة البحث الأكاديمي.
الكوادر الطبية والتمريضية: لضمان استمرار تطوير المنظومة الصحية.
المبتعثون للدراسة على حساب الدولة: بجميع اختصاصاتهم، نظرًا لكونهم ضمن خطة ابتعاث رسمية مسبقة.
أسباب التوجه نحو "الحزمة التقشفية"
تبرر الحكومة هذا التوجه بعدة تحديات اقتصادية خانقة، أبرزها:
تضخم فاتورة الرواتب: حيث يتجاوز عدد الموظفين والمتقاعدين 7 ملايين شخص، مما يستهلك معظم الإيرادات النفطية.
ترشيد الإنفاق التشغيلي: بالتوازي مع قرارات أخرى مثل بيع السيارات الحكومية الفائضة وتخفيض حصص الوقود للوزارات بنسبة 50%.
تغيير فلسفة الوظيفة: السعي للتحول من "الترفيع الأكاديمي" إلى "التقييم المبني على الأداء والإنتاجية الفعليين".
يمثل قرار وقف احتساب الشهادات في العراق لعام 2026 نقطة تحول جوهرية في العلاقة بين الموظف والدولة، فهو يعكس عمق الأزمة المالية التي دفعت صانع القرار إلى اتخاذ إجراءات كانت تُصنف سابقًا ضمن "الخطوط الحمراء". إن الهدف الحكومي المعلن هو إنقاذ الموازنة العامة من التضخم المفرط وتوجيه الموارد نحو قطاعات استثمارية قد تساهم في تقليل الاعتماد الكلي على النفط، وهو توجه تفرضه لغة الأرقام والديون الداخلية التي طرقت أبواب الـ 100 تريليون دينار.
ومع ذلك، تظل "صدمة الموظفين" مشروعة؛ فالعلم والتطوير الذاتي كانا دائمًا المسار الطبيعي لتحسين الدخل وتحقيق الرضا الوظيفي. إن تجميد هذه الحوافز قد يؤدي على المدى البعيد إلى "جماد وظيفي" يقلل من رغبة الكفاءات في تطوير مهاراتهم، ما لم يتم استبدال نظام "الشهادة" بنظام "الأداء المتميز" والمكافآت المرتبطة بالإنتاجية. التحدي الحقيقي أمام الحكومة في 2026 هو الموازنة بين ضرورة التقشف المالي وبين الحفاظ على الروح المعنوية للجهاز الإداري للدولة.
ختامًا، فإن نجاح هذه الحزمة يعتمد على شموليتها؛ فالموظف البسيط قد يتقبل التقشف إذا رأى إجراءات مماثلة تطال كبار المسؤولين والرواتب الخرافية والإنفاق غير المبرر في الهياكل العليا. إن عام 2026 سيكون عام "شد الحزام" بامتياز، والمأمل أن تكون هذه التضحيات الوظيفية هي الثمن العادل لعبور العراق نحو استقرار اقتصادي حقيقي يلمس ثمارة الجميع في المستقبل القريب