شروط السوداني الثلاثة.. القيد الذي يمنع نوري المالكي من الوصول إلى "الخضراء"
العراق بين خيار الاستقرار ومغامرة العودة
إن ما تشهده أروقة السياسة العراقية اليوم ليس مجرد صراع على منصب، بل هو معركة لتحديد هوية الدولة في المرحلة المقبلة. محمد شياع السوداني، بذكائه السياسي، أدرك أن مواجهة "الحرس القديم" مباشرة قد تؤدي إلى انهيار حكومته، فقرر الانحناء للعاصفة عبر تقديم تنازل مشروط، يدرك هو قبل غيره صعوبة تحقيقه. لقد وضع السوداني خصمه نوري المالكي أمام اختبار "المقبولية"، وهو اختبار فشل فيه الكثيرون في بلد لا يقبل القسمة على طرف واحد.
العراق اليوم في أشد الحاجة إلى قيادة تدرك أهمية التوازن بين المحاور الإقليمية، وبين الرغبات الشعبية في التغيير. إن الرهان على عودة الوجوه القديمة قد يفتح أبوابًا من الاحتجاجات التي لا يمكن التكهن بنهايتها، خاصة مع بقاء التيار الصدري في حالة "الترقب الغاضب".
إن المخرج الوحيد للأزمة الحالية يكمن في تغليب لغة التوافق الوطني الحقيقي، بعيدًا عن المحاصصة الضيقة أو تصفية الحسابات الشخصية. فالعراقيون، بعد سنوات من المعاناة، لا تهمهم الأسماء بقدر ما يهمهم وجود حكومة قادرة على توفير الأمن والخدمات وحفظ سيادة البلاد.
إن الأيام القادمة ستكشف ما إذا كان تنازل السوداني "تضحية وطنية" أم "فخًا سياسيًا" سيغير خارطة التحالفات إلى الأبد.
تعيش العاصمة العراقية بغداد على وقع "قنبلة سياسية" فجرها رئيس الوزراء الحالي، محمد شياع السوداني، خلال اجتماع غير رسمي لقادة "الإطار التنسيقي".
ففي خطوة غير متوقعة، أعلن السوداني استعداده للتنازل عن طموحه في ولاية ثانية لصالح خصمه السياسي اللدود ورئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي.
هذا الإعلان لم يكن مجرد انسحاب تكتيكي، بل وصفه مراقبون بأنه "مناورة ذكية" تضع الكرة في ملعب المالكي والتحالفات الإقليمية والدولية.
جذور الخصومة: من الانشقاق إلى النجاح
لفهم أبعاد هذا التنازل، يجب العودة إلى تاريخ العلاقة المتوترة بين الرجلين. السوداني، الذي كان قياديًا في "حزب الدعوة" تحت زعامة المالكي، انشق ليشكل "تيار الفراتين". ورغم امتلاكه مقعدين فقط في برلمان 2021، استطاع الوصول إلى سدة الحكم بدعم من الإطار التنسيقي كمرشح تسوية.
خلال ثلاث سنوات ونصف من حكمه، حقق السوداني نجاحات ميدانية وخدمية واضحة، وهو ما عزز شعبيته بعيدًا عن عباءة المالكي. هذا النجاح زاد من فجوة الخلاف، إذ شعر جناح المالكي أن السوداني بدأ يبني "إمبراطورية سياسية" خاصة به تهدد النفوذ التقليدي لقيادات الخط الأول في الإطار.
الشروط الثلاثة: القيد الذي يمنع العودة
لم يأتِ تنازل السوداني مجانيًا، بل كان مشروطًا بطلبات وصفت بأنها "تعجيزية" في السياق السياسي العراقي الحالي. حيث طالب السوداني بأن يحصل المالكي على دعم ثلاث جهات لا يمكن التوفيق بينها بسهولة:
المرجعية الدينية في النجف: التي تلتزم الصمت السياسي غالبًا لكنها تضع معايير صارمة لمن يتولى المنصب.
التيار الصدري: الخصم التاريخي للمالكي، والذي يمتلك قاعدة جماهرية قادرة على شل حركة الحكومة.
الولايات المتحدة: التي تراقب بحذر شديد نفوذ قادة الإطار القريبين من طهران.
هذه الشروط تهدف، حسب محللين، إلى إظهار استحالة تشكيل حكومة بقيادة المالكي دون الاصطدام بعقبات داخلية ودولية لا يمكن تجاوزها، مما يجعل السوداني الخيار "الآمن" الوحيد المتبقي.
بيان المالكي وغموض "التنسيقي"
في محاولة لامتصاص الصدمة وتأكيد جديته، التقى نوري المالكي برئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي، وأصدر بيانًا يوم الأحد أكد فيه أن "الإطار التنسيقي" قطع خطوات مهمة في حسم هوية رئيس الوزراء المقبل. ومع ذلك، لا يزال الانقسام سيد الموقف داخل البيت الشيعي، حيث يخشى بعض قادة الإطار من أن عودة المالكي قد تستفز الشارع وتؤدي إلى عودة "تظاهرات تشرين" أو صراع مباشر مع الصدريين.
فيتو مقتدى الصدر: "العمل الخبيث"
جاء الرد الأقوى من "الحنانة"، حيث خرج زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر ببيان شديد اللهجة. الصدر رفض بشكل قاطع أي محاولة لزج اسمه في مشاورات تشكيل الحكومة، محذرًا من محاولات تضليل الرأي العام وإيهامه بوجود توافق صدري مع أي مرشح من الإطار، واصفًا هذه التحركات بـ "العمل الخبيث". هذا الرفض ينسف أحد شروط السوداني الأساسية ويجعل من طموح المالكي في العودة أمرًا محفوفًا بالمخاطر الأمنية والسياسية.