تقرير صادم: استغلال احتياطيات أورينوكو يستهلك 13% من ميزانية الكربون العالمية المتبقية
يواجه العالم في مطلع عام 2026 منعطفًا مناخيًا خطيرًا، حيث كشف تحليل حديث أجرته شركة "كليمنت برنار" المتخصصة في قياس الانبعاثات، لصالح صحيفة "الجارديان" البريطانية، عن حقائق مرعبة تتعلق بالتحركات الأمريكية الرامية لاستغلال احتياطيات النفط في فنزويلا.
التحليل حذر من أن أي توسع واسع النطاق في استخراج النفط الفنزويلي قد يلتهم أكثر من 10% من ميزانية الكربون المتبقية عالميًا، وهي الكمية المسموح بها لحصر الاحترار العالمي عند حد 1.5 درجة مئوية وتجنب الانهيار المناخي الكارثي.
حجم الاحتياطيات الفنزويلية والضغوط المناخية
تمتلك فنزويلا أضخم احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، وهي حقيقة تضع الأهداف المناخية العالمية تحت مقصلة المصالح الجيوسياسية والاقتصادية. التقديرات تشير إلى أن هذه الاحتياطيات ضخمة لدرجة أنها في حال استغلالها بالكامل، ستكون وحدها كفيلة باستنفاد كامل ميزانية الكربون المتاحة للبشرية للحفاظ على سقف الحرارة الآمن.
ورغم تدهور البنية التحتية النفطية في فنزويلا نتيجة سنوات من العقوبات، إلا أن التطورات الدراماتيكية الأخيرة في يناير 2026، ومنها احتجاز القوات الأمريكية للرئيس نيكولاس مادورو، أعادت الملف للواجهة بقوة. دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشركات النفط باستثمار 100 مليار دولار لإعادة تشغيل الحقول الفنزويلية تمثل إعلانًا صريحًا عن "حقبة نفطية جديدة" تتجاهل تمامًا التحذيرات العلمية.
سيناريوهات الإنتاج والاستهلاك الكربوني
وفقًا لتحليل "كليمنت برنار"، فإن زيادة الإنتاج بنحو 500 ألف برميل يوميًا بحلول عام 2028، ورفعه تدريجيًا إلى 1.58 مليون برميل بين عامي 2035 و2050، سيستهلك وحده نحو 13% من إجمالي ميزانية الكربون المتبقية عالميًا.
هذا السيناريو، رغم خطورته، لا يمثل حتى نصف القدرة الإنتاجية التاريخية لفنزويلا التي بلغت 3.5 مليون برميل في تسعينيات القرن الماضي، مما يعكس حجم التهديد الوجودي الذي يمثله هذا الخام حتى لو تم إنتاجه بمعدلات أقل من طاقته القصوى.
الكثافة الكربونية المتطرفة: "النفط القذر"
ما يميز النفط الفنزويلي، وتحديدًا في "حزام أورينوكو"، هو كثافته الكربونية المرعبة. أظهر التحليل مقارنة صادمة بين نفط أورينوكو وحقل «يوهان سفيردروب» النرويجي؛ فبينما تبلغ الكثافة الكربونية للأخير 1.6 كيلوجرام من ثاني أكسيد الكربون للبرميل، تقفز في حزام أورينوكو إلى 1.460 كيلوجرامًا لكل برميل نفط مكافئ.
هذه "الكثافة الكربونية المتطرفة" تجعل من الخام الفنزويلي واحدًا من أكثر أنواع الوقود الأحفوري تلويثًا للبيئة، مما يجعله يواجه تحديات أخلاقية وعلمية جسيمة في عالم يحاول جاهدًا الالتزام بميزانيات كربون صارمة.
آراء الخبراء والتحذيرات العلمية
قالت هولي باري، كبيرة المحللين في "كليمنت برنار": "إن القرار برفع إنتاج أحد أكثر أنواع النفط كثافة في الانبعاثات الكربونية إلى مستويات تاريخية سيعادل قرابة عقد كامل من انبعاثات الاتحاد الأوروبي نتيجة توسع نفطي واحد فقط". وأضافت أن هذه الخطوة ستقيد العالم بعقود من الانبعاثات المرتفعة في وقت يحتاج فيه الكوكب لرحيل عاجل عن الوقود الأحفوري نحو الطاقة المتجددة.
من جهته، وصف مادس كريستنسن، المدير التنفيذي لمنظمة "جرينبيس الدولية"، التحركات الأمريكية بأنها "متهورة وخطيرة"، مؤكدًا أن التضحية بالمستقبل من أجل أرباح قصيرة الأجل هي مقامرة بالنظم البيئية وصحة المجتمعات البشرية.
نفط فنزويلا، ميزانية الكربون العالمية، الاحترار العالمي 1.5 درجة، انبعاثات حزام أورينوكو، شركة كليمنت برنار، تقرير صحيفة الجارديان، سياسة ترامب النفطية 2026، تغير المناخ، الوقود الأحفوري، الكثافة الكربونية للنفط.
في الختام، يضعنا تقرير "كليمنت برنار" أمام مرآة الحقيقة المرة؛ فبينما تتسابق الأمم في المؤتمرات الدولية لإعلان التزاماتها بخفض الانبعاثات، تأتي التحركات الجيوسياسية لتثبت أن شهية الوقود الأحفوري لا تزال قادرة على التهام مستقبل الكوكب. إن استغلال احتياطيات فنزويلا بتلك "الكثافة الكربونية المتطرفة" ليس مجرد استثمار اقتصادي، بل هو حكم بالإعدام على أهداف اتفاقية باريس للمناخ.
إن العودة القوية للنفط الفنزويلي تحت قيادة السياسات الأمريكية الجديدة في عام 2026، تضع المجتمع الدولي ونشطاء البيئة أمام اختبار تاريخي. فهل سينتصر منطق الأرباح السريعة وتأمين موارد الطاقة التقليدية، أم ستنجح الضغوط العلمية في فرض مسار "الانتقال العادل" نحو الطاقة الخضراء؟
الأرقام لا تكذب؛ واستهلاك 13% من ميزانية الكربون المتبقية للبشرية من خلال "مشروع واحد" هو ناقوس خطر لا يمكن تجاهله. إن حماية كوكبنا تتطلب شجاعة سياسية تتجاوز المصالح الضيقة، فالانهيار المناخي إذا وقع، لن يفرق بين حدود جغرافية أو مصالح اقتصادية. يبقى الأمل معلقًا على وعي الشعوب وضغوط المنظمات الدولية لضمان أن يظل هذا "النفط القذر" تحت الأرض، حمايةً لما تبقى من فرص للحياة على هذا الكوكب.