بين جني الأرباح والملاذ الآمن: خبراء يتوقعون قفزة بنسبة 20% في أسعار الذهب خلال 2026
يعيش سوق الذهب العالمي والمحلي حالة من الارتباك غير المسبوق مع بداية عام 2026، حيث تداخلت العوامل السياسية المتفجرة مع البيانات الاقتصادية المتقلبة لترسم مشهدًا ضبابيًا للمستثمرين.
لم يعد الذهب مجرد أداة للتحوط، بل تحول إلى مرآة تعكس حجم المخاطر الجيوسياسية التي تضرب منطقة الكاريبي وأمريكا اللاتينية، وصولًا إلى طموحات التوسع الأمريكي التي أطلقها الرئيس ترامب.
أزمة فنزويلا: الشرارة التي أشعلت الأسعار
كان اعتقال الرئيس الفنزويلي "مادورو" بمثابة الصدمة التي هزت أركان البورصات العالمية. فنزويلا ليست مجرد دولة عادية في معادلة الذهب؛ فهي تمتلك احتياطيات ضخمة تقدر بنحو 18 ألف طن من المعدن الأصفر، بالإضافة إلى 38 طنًا من الذهب الخالص المودع في بنوك بريطانيا.
هذا التوتر في منطقة الكاريبي دفع أسعار الأوقية عالميًا لتجاوز مستوى التاريخي عند 4440 دولارًا، بينما انفجرت الأسعار محليًا في مصر لتتخطى حاجز 6 آلاف جنيه للجرام. إن حجم المخاطر المرتبطة بتجميد أو الصراع على هذه الاحتياطيات الضخمة جعل المؤسسات المالية الكبرى تهرع نحو الذهب لتأمين محافظها الاستثمارية.
تهديدات ترامب وتأثير "الملاذ الآمن"
ولم تقتصر الضغوط على ملف فنزويلا فحسب، بل زاد الطين بلة التهديدات الأمريكية المتعلقة بالاستيلاء على "جرينلاند" وتوجيه ضربات عسكرية لكوبا ودول أخرى في أمريكا اللاتينية. هذه التصريحات أعادت إحياء نظرية "الملاذ الآمن" بقوة، حيث استمرت البنوك المركزية حول العالم في زيادة حيازتها من الذهب لمواجهة أي انهيارات محتملة في النظام النقدي المرتبط بالدولار.
ورغم هذه الارتفاعات، شهد الأسبوع الماضي عمليات "جني أرباح" واسعة من قبل المستثمرين الذين استغلوا القمم السعرية لتحويل مكاسبهم الورقية إلى سيولة، مما أدى إلى تراجع مؤقت للأوقية بنحو 49 دولارًا لتستقر عند 4445 دولارًا، وتراجع محلي بنحو 55 جنيهًا للجرام.
بيانات سوق العمل الأمريكي والدولار
ساهمت البيانات الإيجابية المفاجئة عن سوق العمل الأمريكي في الضغط على الذهب خلال تداولات يوم الخميس. قوة التوظيف أدت إلى صعود مؤشر الدولار أمام العملات الأجنبية، مما جعل الذهب (المسعر بالدولار) أكثر تكلفة، وهو ما حال دون استمرار المعدن في الحفاظ على مستوياته القياسية فوق 4500 دولار في المدى القصير.
الرؤية المحلية: منصة "آي صاغة" وآراء الخبراء
كشف التقرير الأسبوعي لمنصة "آي صاغة" أن التراجع الذي حدث مع بداية العام كان نتيجة طبيعية لعمليات إعادة توازن مؤشرات السلع وقوة الدولار، مؤكدًا أن الطلب الاستثماري لا يزال هو الداعم الرئيسي للسوق رغم الضغوط البيعية.
وفي سياق متصل، أكد عمرو المغربي، عضو مجلس إدارة شعبة الذهب، أن هذا التراجع هو "تصحيح مؤقت". وتوقع المغربي أن عام 2026 سيشهد موجة صعود قوية مدفوعة بالاضطرابات العالمية، وتوجه البنوك المركزية (بما فيها مصر) نحو خفض أسعار الفائدة، مما يقلل من جاذبية الأوعية الادخارية مقابل الذهب. وحذر المغربي من الشراء عبر منصات التواصل الاجتماعي، مشددًا على ضرورة الشراء من مصادر موثوقة لتجنب عمليات النصب.
المعروض والطلب: تحديات الصناعة
من جانبه، أشار سامح عبد الحكيم، عضو شعبة الذهب، إلى أن الذهب عاد للصعود بنهاية تعاملات الجمعة نتيجة التوترات مع فنزويلا والتغيرات في السياسة النقدية الأمريكية. وأوضح أن السوق المحلي يشهد هدوءًا نسبيًا في حركة البيع والشراء، مع توافر معروض كافٍ، مؤكدًا أن المصريين ما زالوا يفضلون "المشغولات الذهبية" كزينة وخزينة في آن واحد.
أما صفوت فانوس، الخبير في المشغولات الذهبية، فقد دق ناقوس الخطر بشأن "الفجوة بين العرض والطلب". وأوضح أن انخفاض الإنتاج الجديد مقابل زيادة الطلب قد يدفع الأسعار للارتفاع بنسبة تتراوح بين 15% و20% إضافية، مما يستدعي خطة عاجلة لزيادة الإنتاج المحلي لسد احتياجات الصاغة.
الفضة: الحصان الأسود في التداولات
لم يكن الذهب وحده في الساحة، فقد سجلت الفضة صعودًا تاريخيًا، حيث تقترب أحجام التداول على المعدنين من ضعف أحجام التداول في الأصول الأخرى. هذا الإقبال الكبير يعكس رغبة المستثمرين في تنويع معادنهم الثمينة لمواجهة تقلبات عام 2026.
إن الذهب في عام 2026 يقع تحت تأثير كماشة: من جهة "التوترات الجيوسياسية" التي تدفعه للأعلى، ومن جهة أخرى "قوة الدولار وجني الأرباح" التي تفرمل هذا الصعود. النصيحة الذهبية للراغبين في الشراء هي استغلال فترات التراجع الحالية، فالشواهد تؤكد أن القادم يحمل مستويات سعرية قد لا تعود للوراء قريبًا.