انتعاش سوق الغاز الأمريكي: تراجع المخزونات وتوقعات الطقس يدفعان العقود الآجلة للارتفاع
يمر سوق الغاز الطبيعي الأمريكي بمرحلة إعادة تموضع الارتفاع الأخير ليس مجرد تصحيح فني، بل هو استجابة لواقع يتسم بزيادة الطلب الخارجي وبداية ذروة الاستهلاك الشتوي. يجب على المستثمرين ومراقبي السوق متابعة تحديثات الطقس للأسبوعين القادمين بدقة، حيث ستكون هي البوصلة الحقيقية لتحديد وجهة السعر القادمة.
شهدت أسواق الطاقة العالمية، وتحديدًا سوق الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة، تحولًا دراماتيكيًا خلال الساعات الأخيرة. فبعد فترة من التراجع والضغط السعري، استطاعت العقود الآجلة للغاز الطبيعي استعادة توازنها، مسجلة ارتفاعًا ملحوظًا تجاوزت نسبته 3%، ليتخطى السعر حاجز 3.25 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.
يأتي هذا التعافي بمثابة طوق نجاة للسعر بعد أن هبط إلى أدنى مستوياته في 12 أسبوعًا عند 3.169 دولار خلال تداولات الأسبوع الماضي.
ديناميكيات العرض والطلب: تأثير الطقس
المحرك الرئيسي لهذا الارتفاع المفاجئ يعود إلى "توقعات الأرصاد الجوية". فالسوق اليوم يتحرك بناءً على خرائط الطقس أكثر من أي وقت مضى. تشير التقارير إلى انخفاض مرتقب في درجات الحرارة في معظم الولايات الأمريكية. ورغم أن الأيام القليلة القادمة قد تشهد طلبًا ضعيفًا نسبيًا بسبب اعتدال مؤقت، إلا أن المتداولين يسعرون حاليًا "البرد القادم".
إن التوقعات بقدوم جبهات هوائية باردة تعني مباشرة زيادة استهلاك الغاز لأغراض التدفئة المنزلية والتجارية. وعلى الرغم من أن بعض المحللين قللوا من حدة الموجة الباردة المرتقبة، إلا أن "النظرة العامة" لا تزال تميل نحو الاتجاه الصعودي (Bullish)، حيث يُنظر إلى أي انخفاض في الحرارة كفرصة لتقليص الفجوة في المخزونات.
صادرات الغاز المسال: الرقم الصعب
في الوقت الذي يترقب فيه الداخل الأمريكي تغيرات المناخ، يظل الملف الخارجي هو الركيزة الأساسية لاستقرار الأسعار. لا تزال صادرات الغاز الطبيعي الأمريكي تُظهر قوة هائلة، حيث تقترب الشحنات المتجهة إلى الخارج من مستويات قياسية تاريخية.
وفقًا للتقارير الحديثة، بلغ متوسط الصادرات حوالي 18.5 مليار قدم مكعب يوميًا خلال شهر يناير الجاري. هذا التدفق المستمر نحو الأسواق العالمية (أوروبا وآسيا) يعمل كممتص للصدمات ضد وفرة الإنتاج المحلي، ويضمن بقاء الولايات المتحدة كلاعب محوري في أمن الطاقة العالمي.
الإنتاج والمخزونات: قراءة في الأرقام
من الناحية التشغيلية، سجل إنتاج الغاز الأمريكي تراجعًا طفيفًا عن ذروته التاريخية التي تحققت في ديسمبر الماضي. استقر الإنتاج حاليًا عند حوالي 109.2 مليار قدم مكعب يوميًا. هذا التراجع الطفيف، وإن بدا غير مؤثر، إلا أنه يقلل من فائض المعروض المتاح في السوق الفوري.
أما العامل الأكثر إثارة للقلق (أو التفاؤل للمستثمرين) فهو تقرير المخزونات الأخير. أظهرت البيانات سحبًا كبيرًا من الإمدادات بلغ 114 مليار قدم مكعب خلال الأسبوع الماضي، وهو رقم يتجاوز المعدلات المعتادة لهذه الفترة من العام. انخفاض المخزونات بوتيرة أسرع من المتوقع يعزز المخاوف بشأن كفاية الإمدادات إذا ما اشتدت موجة البرد وطال أمدها.
التحليل الفني والآفاق المستقبلية
فنيًا، ارتداد السعر من مستوى الدعم عند 3.169 دولار يعكس وجود قوة شرائية عند المستويات المنخفضة. استقرار السعر فوق 3.25 دولار يمهد الطريق لاختبار مستويات مقاومة أعلى قد تصل إلى 3.40 دولار في حال تأكدت التوقعات القطبية.
ومع ذلك، يبقى السوق رهينة للتقلبات؛ فأي تغيير في خرائط الطقس نحو الدفء قد يمحو هذه المكاسب سريعًا. لكن في الوقت الراهن، فإن مزيجًا من "الصادرات القياسية" و"تراجع الإنتاج" و"توقعات التدفئة" يمنح الغاز الطبيعي زخمًا إيجابيًا قويًا.