تقرير الأمم المتحدة للوضع الاقتصادي 2026: الذكاء الاصطناعي والديون والتوترات الجيوسياسية ترسم ملامح المستقبل
يدخل الاقتصاد العالمي عام 2026 وهو يقف على مفترق طرق حاسم، حيث تتشابك الطموحات التنموية مع واقع جيوسياسي وتقني معقد. في أحدث ظهور له، أطلق الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، صرخة تحذير بشأن المسار الحالي للاقتصادات النامية، مؤكدًا أنها لا تزال تكافح للوصول إلى أهداف التنمية المستدامة.
ويرى جوتيريش أن عام 2026 ليس مجرد رقم في التقويم الاقتصادي، بل هو انعكاس لمزيج من "التوترات الاقتصادية والجيوسياسية والتكنولوجية" التي تعيد هندسة المشهد العالمي، مما يولد حالة من عدم اليقين تضرب بجذورها في عمق المجتمعات، وتخلق نقاط ضعف اجتماعية قد تؤدي إلى اضطرابات إذا لم يتم احتواؤها.
لغة الأرقام: تباطؤ النمو العالمي
حسب تقرير الأمم المتحدة "الوضع الاقتصادي العالمي وآفاقه لعام 2026"، تشير التقديرات إلى أن الناتج الاقتصادي العالمي سينمو بنسبة 2.7% فقط خلال هذا العام. هذه الأرقام تحمل في طياتها دلالات سلبية؛ فهي أقل من نسبة 2.8% المسجلة في 2025، وتعد تراجعًا حادًا عن متوسط ما قبل الجائحة الذي كان يستقر عند 3.2%.
هذا التباطؤ يثير مخاوف الخبراء من دخول الاقتصاد العالمي في مرحلة "النمو البطيء الدائم"، حيث تضغط الهياكل الاقتصادية الضعيفة والمساحات المالية الضيقة على قدرة الدول على التحفيز والنهوض.
مرونة في وجه الرسوم الجمركية.. ولكن!
رغم التوقعات القاتمة، أظهر الاقتصاد العالمي مرونة "غير متوقعة" تجاه السياسات التجارية المتشددة، وتحديدًا الزيادات الحادة في الرسوم الجمركية الأمريكية. ويعود الفضل في هذا الصمود إلى:
قوة الإنفاق الاستهلاكي: الذي ظل المحرك الأساسي للنمو في الاقتصادات الكبرى.
انخفاض معدلات التضخم: مما منح الأسر قدرة شرائية نسبية رغم الضغوط.
ومع ذلك، يحذر التقرير من أن هذا الصمود قد يكون مؤقتًا. فالتأثيرات العميقة للرسوم الجمركية المرتفعة، بالتوازي مع عدم اليقين الكلي، ستبدأ في الظهور بشكل أكثر جلاء ووضوحًا خلال النصف الثاني من عام 2026.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي: محرك للنمو أم فقاعة مالية؟
أشار التقرير الأممي إلى تحسن ملحوظ في الأوضاع المالية العالمية بفضل سياسات التيسير النقدي. ولكن، ثمة خطر يلوح في الأفق يتمثل في "ارتفاع التقييمات" في الأسواق المالية، لا سيما في القطاعات المرتبطة بـ الذكاء الاصطناعي.
بينما يمثل الذكاء الاصطناعي فرصة لتحسين الإنتاجية، إلا أن الاعتماد المفرط على تقييمات مرتفعة قد يؤدي إلى صدمات مالية إذا لم تتحقق العوائد المتوقعة بسرعة. بالإضافة إلى ذلك، تظل مستويات الديون المرتفعة وتكاليف الاقتراض عائقًا أمام الدول النامية للاستثمار في هذه التقنيات، مما يعزز "الفجوة الرقمية والاقتصادية" بين الشمال والجنوب.
خريطة النمو الإقليمي في 2026: تباين حاد
يتوقع التقرير أن يكون النمو في عام 2026 غير متوازن جغرافيًا، وهو ما يمكن رصده في الجدول الآتي:
| المنطقة | نسبة النمو المتوقعة 2026 | مقارنة بـ 2025 | العوامل المؤثرة |
|---|---|---|---|
| الولايات المتحدة | 2.0% | ارتفاع (من 1.9%) | التيسير النقدي مقابل ضعف سوق العمل |
| شرق آسيا | 4.4% | انخفاض (من 4.9%) | تباطؤ الطلب الخارجي |
| الصين | 4.6% | انخفاض طفيف | التحولات الهيكلية الداخلية |
| إفريقيا | 4.0% | ارتفاع (من 3.9%) | أزمات الديون وتغير المناخ (مخاطر عالية) |
| غرب آسيا | 4.1% | ارتفاع (من 3.4%) | التوترات الجيوسياسية والمخاطر الأمنية |
التجارة العالمية والاستثمار: مفارقة غريبة
في عام 2025، توسعت التجارة العالمية بنسبة 3.8%، وهي نسبة فاقت التوقعات رغم القيود الجمركية. إلا أن هذه "المرونة التجارية" لم تترجم إلى نمو في الاستثمارات. فما زال الاستثمار العالمي يعاني من حالة "الجمود" نتيجة:
الظروف المالية الصعبة وتكلفة رأس المال.
المخاوف من الصراعات المسلحة وتغير الخرائط السياسية.
انكفاء بعض الدول على سياسات الحماية التجارية.
معركة التضخم: تراجع بطيء ومستمر
لا يزال ارتفاع الأسعار يمثل التحدي الأكبر لجيوب المواطنين حول العالم. التقرير الأممي يزف بشرى حذرة، حيث يشير إلى تراجع معدل التضخم العام وفق التسلسل الآتي:
عام 2024: 4.0%
عام 2025: 3.4% (تقديري)
عام 2026: 3.1% (متوقع)
رغم هذا التراجع، إلا أن الوصول إلى مستهدفات البنوك المركزية (غالبًا 2%) لا يزال بعيد المنال في العديد من الاقتصادات، مما يعني بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
التغير المناخي: الخطر الوجودي على الاقتصاد
لم يغفل التقرير الإشارة إلى الصدمات المرتبطة بتغير المناخ كعامل تقويض للنمو، خاصة في إفريقيا وغرب آسيا. فالكوارث الطبيعية المتكررة تلتهم نسبًا كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي لهذه الدول، وتجبر الحكومات على توجيه الميزانيات المحدودة للإغاثة بدلًا من التنمية والابتكار.
التوصيات: نحو تنسيق عالمي أعمق
يختتم التقرير الأممي رؤيته لعام 2026 بضرورة العودة إلى "العمل الجماعي الحاسم". إن إعادة تنظيم التجارة العالمية، وضغوط الأسعار، وأزمات المناخ، كلها ملفات لا يمكن لدولة واحدة حلها بمعزل عن الآخرين. وفي وقت تتزايد فيه التوترات والسياسات المنغلقة، يشدد التقرير على أن ضعف الزخم نحو الحلول متعددة الأطراف هو الخطر الأكبر الذي يهدد استقرار البشرية الاقتصادي.
إن عام 2026 يتطلب مرونة سياسية توازي المرونة التي أظهرتها الأسواق، والهدف هو ضمان ألا يظل النمو "أبطأ بشكل دائم"، بل أن يكون بداية لنهضة اقتصادية أكثر شمولًا واستدامة.