وعي المصريين بتغير المناخ 2026: تراجع في إدراك الخطورة ومسؤولية الحكومات تتصدر المشهد
يظل الوعي الشعبي هو حائط الصد الأول أمام التحديات المناخية. ورغم تراجع بعض المؤشرات في استطلاع ديسمبر 2025، إلا أن الفرصة لا تزال قائمة لتحويل هذا الوعي إلى سلوك مستدام إذا ما تضافرت جهود الدولة مع رغبة المواطنين في تأمين مستقبل بيئي آمن للأجيال القادمة. إن أزمة المناخ ليست مجرد أرقام في تقارير دولية، بل هي واقع نعيشه ويتطلب منا جميعًا التحرك قبل فوات الأوان.
لا يزال ملف التغير المناخي يتصدر الأجندات الدولية كواحد من أكثر التحديات تعقيدًا في القرن الحادي والعشرين. وفي سياق المتابعة المستمرة لهذا الملف، أجرى مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري استطلاعًا حديثًا للرأي (ديسمبر 2025) استهدف المواطنين البالغين (18 سنة فأكثر).
يأتي هذا التحرك في وقت حساس تسعى فيه الدولة المصرية لتعزيز مكتسباتها البيئية، إلا أن نتائج الاستطلاع كشفت عن تحولات لافتة في "الوعي الجمعي" المصري تجاه هذه القضية، مما يستوجب وقفة تحليلية لفهم مسببات ودلالات هذه الأرقام.
مؤشر خطورة التغير المناخي.. تراجع مقلق في إدراك الأزمة
من أبرز النتائج التي تضمنها التقرير هو التباين الواضح في تقييم المواطنين لمدى خطورة التغير المناخي على مصر. فعلى مقياس من (0 إلى 10)، شهدت النتائج تحولًا دراماتيكيًا:
انخفاض "الإدراك العالي": تراجعت نسبة المواطنين الذين يرون أن تغير المناخ يمثل خطورة قصوى (بدرجة من 8 إلى 10) من 21% في عام 2022 إلى 15% فقط في ديسمبر 2025.
ارتفاع "الإدراك المنخفض": في المقابل، قفزت نسبة من يرون أن الخطر ضعيف (أقل من 5 درجات) من 18% لتصل إلى 31%.
هذا التراجع في منحنى القلق البيئي يشير إلى وجود فجوة في وصول المعلومات العلمية والتحذيرات المناخية إلى المواطن البسيط، أو ربما انشغال الرأي العام بتحديات اقتصادية ومعيشية آنية طغت على التهديدات المناخية بعيدة المدى.
من المسؤول عن الحل؟.. "الكرة في ملعب الحكومات"
عند سؤال المواطنين عن الجهة المنوط بها حل الأزمة ومواجهة آثارها، جاءت الإجابات لتعكس رؤية ثابتة تقريبًا خلال السنوات الثلاث الماضية:
المسؤولية الدولية: يرى نحو ثلث المصريين (33% في 2025) أن حكومات العالم أجمع هي المسؤول الأول. هذا التوجه يعكس وعيًا بأن الأزمة عالمية المنشأ وتتطلب حلولًا كبرى تتجاوز قدرات الأفراد.
تراجع دور المواطن: لوحظ انخفاض في نسبة من يحمّلون المواطنين المسؤولية الأساسية، حيث تراجعت من 21% في 2022 لتستقر عند 15% في 2025.
المسؤولية المشتركة: بقيت نسبة المؤمنين بضرورة تضافر جهود الحكومات والمواطنين معًا ثابتة تقريبًا حول 19%.
هذه الأرقام تضع عبئًا أكبر على المؤسسات الرسمية في قيادة قاطرة التغيير، ولكنها في الوقت نفسه تدق ناقوس الخطر حول "السلبية البيئية" لدى البعض، حيث يتزايد الميل لإلقاء المسؤولية بالكامل على عاتق الدولة أو المجتمع الدولي.
السلوك الاستهلاكي الأخضر.. التحدي الاقتصادي يفرض كلمته
لطالما كان التحول نحو "المنتجات صديقة البيئة" رهنًا بالقدرة المالية. وقد أظهر الاستطلاع انخفاضًا ملحوظًا في الاستعداد المادي للمواطنين لدعم البيئة:
الرغبة في الشراء: تراجعت نسبة المستعدين لدفع مبالغ إضافية مقابل أجهزة موفرة للطاقة أو المياه من 64% في عام 2022 إلى 51% في عام 2025.
المشروطية المادية: أبدى 15% من المواطنين استعدادًا مشروطًا، حيث كانت "الحالة المادية" هي العائق أو الشرط الأساسي لاتخاذ قرارات شراء بيئية.
يعكس هذا الجانب بوضوح تأثير التضخم والضغوط الاقتصادية العالمية على السلوك البيئي؛ فبينما يرغب المواطن في الحفاظ على الموارد، تظل "المحفظة المالية" هي المحرك الأول لقراراته الشرائية، مما يتطلب استراتيجيات حكومية لتوفير بدائل خضراء بأسعار تنافسية أو تقديم حوافز ضريبية للمنتجات الصديقة للبيئة.
تحليل التوجهات وتوصيات للمستقبل
إن القراءة المتأنية لنتائج استطلاع مركز المعلومات تشير إلى ضرورة إعادة صياغة الخطاب الإعلامي البيئي في مصر. لم يعد كافيًا الحديث عن "ذوبان الجليد" أو "ارتفاع حرارة الأرض" بشكل عام، بل يجب ربط هذه الظواهر بحياة المواطن اليومية (مثل تأثيرها على أسعار الغذاء، توافر المياه، وصحة الأفراد).
التوصيات المقترحة بناءً على التقرير:
تطوير حملات التوعية: التركيز على ربط التغير المناخي بالمكاسب الاقتصادية (مثل كيفية تقليل فاتورة الكهرباء عبر الأجهزة الموفرة).
تعزيز التشاركية: تشجيع المبادرات المجتمعية التي تُشعر المواطن بأنه شريك في الحل وليس مجرد متفرج.
دعم المنتجات الخضراء: توفير تسهيلات ائتمانية أو عروض تقسيط للأجهزة الصديقة للبيئة لردم الفجوة الناتجة عن ضعف القدرة الشرائية.