المركزي المصري يطرح صكوكًا بـ 7 مليارات جنيه: قراءة في العوائد والمستهدفات
يمثل الطرح السادس للصكوك السيادية خطوة رصينة في رحلة الإصلاح الهيكلي للمالية العامة المصرية. فهي لا تمثل مجرد "دين جديد"، بل هي إعادة صياغة للعلاقة بين الدولة والمستثمر، قائمة على التشارك في التنمية والالتزام بالشفافية في العوائد.
يشهد السوق النقدي المصري اليوم الاثنين تحولًا هادمًا في مسار التمويل الحكومي لعام 2026، حيث أعلن البنك المركزي المصري، بالتنسيق مع وزارة المالية، عن إطلاق إجراءات الطرح السادس للصكوك السيادية.
هذا الإصدار، الذي يعد الأول في العام الجديد، يأتي ليعزز من مكانة الصكوك كأداة مالية استراتيجية قادرة على سد الفجوات التمويلية وجذب سيولة جديدة بعيدًا عن أدوات الدين التقليدية.
فلسفة الطرح السادس: لماذا 7 مليارات جنيه الآن؟
تستهدف الحكومة من هذا الطرح جمع سيولة نقدية بقيمة 7 مليارات جنيه، عبر صكوك "ثلاثية الأجل" ذات عائد ثابت. اختيار هذا التوقيت وهذا الحجم من التمويل يعكس رغبة وزارة المالية في الاستفادة من حالة الاستقرار النسبي التي تلت قرارات التيسير النقدي الأخيرة.
تعد الصكوك السيادية أداة تمويل قائمة على الأصول، مما يجعلها جاذبة لشريحة واسعة من المستثمرين، وخاصة الصناديق التي تشترط التوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية. ومن خلال هذا الطرح، تسعى الدولة إلى:
خفض تكلفة الدين: عبر استبدال أدوات مرتفعة التكلفة بأخرى تعتمد على العوائد المتناقصة تدريجيًا.
إطالة أمد الدين: التركيز على أجل الـ 3 سنوات يساعد في تقليل الضغط على الموازنة العامة في المدى القصير.
تنويع قاعدة المستثمرين: استقطاب رؤوس أموال خليجية ودولية تبحث عن أدوات استثمارية آمنة ومدعومة بضمانات سيادية.
قراءة في أداء برنامج الصكوك السيادية (نوفمبر 2025 - يناير 2026)
منذ انطلاق البرنامج في نوفمبر الماضي، حقق البنك المركزي نجاحات ملموسة في زمن قياسي. فقد تمكن من جمع 26.8 مليار جنيه من خلال 5 إصدارات سابقة.
بالنظر إلى السقف الإجمالي للبرنامج البالغ 200 مليار جنيه، نجد أن الدولة قد استنفدت حتى الآن ما يقرب من 13.4% من إجمالي البرنامج. هذا التصاعد التدريجي يشير إلى أن عام 2026 سيكون "عام الصكوك بامتياز"، حيث من المتوقع أن تتسارع وتيرة الطروحات لتغطية الاحتياجات الاستثمارية للمشروعات القومية المدرجة ضمن موازنة العام المالي الحالي.
تحليل مسار العائد: التيسير النقدي ينعكس على الصكوك
أبرز ما يميز برنامج الصكوك المصري هو "المنحنى الهابط" لأسعار العائد، وهو ما يعد مؤشرًا إيجابيًا على ثقة المستثمرين وتحسن النظرة المستقبلية للاقتصاد المصري. يوضح الجدول التالي كيف تراجعت التكلفة على الخزانة العامة:
| رقم الإصدار | نسبة العائد (Fixed Rate) | الملاحظات التحليلية |
|---|---|---|
| الإصدار الأول | 21.56% | بداية البرنامج وسط ترقب السوق |
| الإصدار الثاني | 21.25% | استجابة سريعة لطلبات الشراء العالية |
| الإصدار الثالث | 21.22% | استقرار نسبي |
| الإصدار الرابع | 21.24% | تصحيح طفيف نتيجة تقلبات عالمية |
| الإصدار الخامس | 21.07% | أدنى مستوى عائد قبل طرح اليوم |
هذا التراجع من 21.56% إلى 21.07% لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتيجة مباشرة لسياسة البنك المركزي المصري في خفض أسعار الفائدة بمقدار 725 نقطة أساس (7.25%) خلال العام الماضي. ومع وصول سعر عائد الإيداع حاليًا إلى 20% والإقراض إلى 21%، يصبح العائد المتوقع لإصدار اليوم مرشحًا للاستقرار حول مستويات الـ 21% أو أقل قليلًا، مما يجعله منافسًا قويًا للأوعية الادخارية الأخرى.
الصكوك السيادية كأداة للتحوط من التضخم
بالنسبة للمستثمر، توفر هذه الصكوك "عائدًا دوريًا ثابتًا" يُصرف كل ستة أشهر. في ظل بيئة نقدية تتجه نحو الاستقرار، يضمن العائد الثابت بنسبة تتجاوز 21% تحقيق عائد حقيقي إيجابي (Real Interest Rate) إذا ما استمر معدل التضخم في مساره النزولي المتوقع لعام 2026.
علاوة على ذلك، فإن الصكوك السيادية المصرية تتمتع بسيولة عالية، حيث يمكن تداولها في البورصة المصرية، مما يمنح المستثمر مرونة في الخروج أو الدخول في أي وقت، بخلاف الشهادات الادخارية التقليدية التي قد تفرض غرامات عند الاسترداد المبكر.
التوقعات المستقبلية والنتائج المرتقبة
من المتوقع أن يشهد عطاء اليوم إقبالًا يتجاوز القيمة المستهدفة (7 مليارات جنيه) بمرات عديدة (Over-subscription)، بناءً على مؤشرات العطاءات الخمسة السابقة. إن نجاح هذا الطرح سيعطي الضوء الأخضر لوزارة المالية للمضي قدمًا في طرح إصدارات دولية مقومة بالدولار أو العملات الآسيوية (صكوك الباندا أو الساموراي) لتعزيز احتياطي النقد الأجنبي.