الإعلان الدستوري الجنوبي: خارطة طريق "الزُبيدي" للانتقال من الثورة إلى بناء الدولة
في لحظة تاريخية فارقة، وضعت القيادة الجنوبية حجر الأساس لمرحلة سياسية جديدة، حيث أعلن اللواء عيدروس بن قاسم الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي ونائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، عن "الإعلان الدستوري".
هذا الإجراء لم يكن مجرد خطوة سياسية عابرة، بل جاء كتتويج لعقود من النضال وتجسيدًا لإرادة شعب الجنوب في استعادة دولته كاملة السيادة على حدود ما قبل 21 مايو 1990.
جوهر الإعلان: الانتقال من النضال إلى الدولة
يمثل الإعلان الدستوري محطة مفصلية تحول مسار القضية الجنوبية من "إدارة الأزمة" إلى "بناء الدولة". وبحسب مراقبين، فإن الإعلان يضع الإطار القانوني والاعتباري لهوية شعب الجنوب، معلنًا للعالم أن تطلعات الاستقلال قد انتقلت من حيز الشعارات الثورية إلى حيز التنفيذ المؤسسي والقانوني.
الملامح الرئيسية للفترة الانتقالية
أقر الإعلان الدستوري فترة انتقالية مدتها عامان، وهي فترة زمنية استراتيجية تهدف إلى:
تثبيت الاستقرار الأمني: من خلال توحيد الأجهزة الأمنية والعسكرية الجنوبية تحت مظلة دستورية واضحة.
بناء المؤسسات: إعادة تفعيل مؤسسات الدولة المتهالكة وربطها بمركز القرار في العاصمة عدن.
معالجة الملف الاقتصادي: مواجهة التحديات الخدمية والانهيار العملي كأولوية قصوى لتخفيف المعاناة عن المواطنين.
التهيئة السياسية: صياغة القوانين اللازمة وتحديث السجل الانتخابي استعدادًا للمرحلة النهائية.
الاستفتاء الشعبي: الديمقراطية كصمام أمان
من أبرز النقاط التي منحت الإعلان ثقلًا دوليًا وإقليميًا هو النص على إجراء استفتاء شعبي في ختام المرحلة الانتقالية. هذه الخطوة تعكس نضج القيادة الجنوبية وإيمانها بأن "الشعب هو مالك السيادة ومصدر السلطات".
إن الاحتكام لصناديق الاقتراع يوجه رسائل متعددة الأبعاد:
رسالة للداخل: تؤكد أن مشروع الدولة القادم ليس مشروعًا إقصائيًا، بل هو عقد اجتماعي جديد يشارك الجميع في صياغته.
رسالة للخارج: تبرهن على أن الجنوب يسلك طرقًا حضارية وسلمية لنيل استقلاله، تماشيًا مع المواثيق الدولية وقوانين الأمم المتحدة المتعلقة بحق تقرير المصير.
السياق السياسي: لماذا الآن؟
يأتي إعلان الزُبيدي في وقت تعيش فيه المنطقة تحولات جيوسياسية كبرى. فالجمود في العملية السياسية الشاملة وتدهور الأوضاع في صنعاء تحت سيطرة المليشيات، دفع القيادة الجنوبية إلى اتخاذ خطوات "استباقية" لحماية مكتسبات الشعب ومنع انزلاق الجنوب نحو الفراغ الإداري أو الفوضى.
علاوة على ذلك، فإن الإعلان يعزز من موقف المجلس الانتقالي الجنوبي كشريك فاعل في السلم الدولي، خاصة في حماية الممرات المائية الدولية (باب المندب وخليج عدن)، حيث ترتبط قوة واستقرار الدولة الجنوبية القادمة مباشرة بأمن الملاحة العالمية.
البعد المؤسسي والعدالة الانتقالية
لم يغفل الإعلان الدستوري الجانب الحقوقي؛ حيث شدد الرئيس الزُبيدي على أن استعادة الدولة هي "مشروع وطني شامل" يهدف إلى تحقيق العدالة والمواطنة المتساوية. المرحلة القادمة، وفقًا للإعلان، لن تكتفي بتغيير الأعلام أو المسميات، بل ستركز على:
إرساء دولة النظام والقانون: عبر قضاء مستقل ونزيه.
الشراكة الوطنية: ضمان تمثيل كافة القوى والمكونات الجنوبية في صياغة دستور الدولة الدائم.
حماية الحريات: كفالة الحقوق العامة والخاصة كجزء لا يتجزأ من هوية الدولة الجنوبية الجديدة.
ردود الفعل والتحديات القادمة
رغم الترحيب الشعبي الواسع في محافظات الجنوب (من عدن إلى المهرة)، إلا أن الإعلان يواجه تحديات لوجستية وسياسية جسيمة. يتطلب نجاح هذه الخارطة الدستورية:
توفير الموارد: لتمويل عملية بناء المؤسسات خلال العامين القادمين.
الاعتراف الدولي: مواصلة الجهد الدبلوماسي لانتزاع اعتراف إقليمي ودولي بالوضعية القانونية الجديدة.
التماسك الداخلي: تعزيز الجبهة الداخلية الجنوبية لمواجهة أي محاولات لزعزعة الاستقرار من قبل القوى المعادية لمشروع الاستقلال.
الجنوب على أعتاب فجر جديد
لقد وضع الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي، من خلال هذا الإعلان الدستوري، حدًا لسنوات الانتظار، ورسم معالم الطريق نحو "دولة الجنوب الفيدرالية المستقلة". لم تعد استعادة الدولة مجرد "حلم طال انتظاره"، بل أصبحت اليوم واقعًا دستوريًا يسير بخطى ثابتة نحو التحقق، مدعومًا بشرعية السلاح وإرادة الصناديق.
إن العامين القادمين سيكونان الاختبار الحقيقي لقدرة الجنوبيين على تقديم نموذج يحتذى به في الحكم الرشيد، وهو ما يطمح إليه الشعب الذي قدم تضحيات جسيمة في سبيل هذه اللحظة التاريخية.
انضموا لقناة متن الإخبارية علي تيليجرام وتابعوا اهم الاخبار في الوقت المناسب.. اضغط هنا https://t.me/matnnews1