من الاعتراف إلى التمكين: المسار التنفيذي لاستعادة دولة الجنوب العربي
لم يعد السجال حول عدالة قضية شعب الجنوب العربي مجرد ترف فكري أو مناورة سياسية؛ فقد تجاوز الواقع الجنوبي مرحلة البحث عن "الاعتراف اللفظي" ليدخل في مرحلة المطالبة بـ مسار عملي وتنفيذي واضح.
إن الانتقال من الخطابات الدبلوماسية إلى الخطوات الميدانية بجدول زمني محدد هو الاختبار الحقيقي لمصداقية المجتمع الدولي والقوى الإقليمية تجاه إرساء سلام مستدام في المنطقة.
تجاوز فخ "الاعتراف الشكلي"
أثبتت العقود الماضية أن الاكتفاء بالإقرار بحقوق الجنوبيين دون آليات تنفيذية لم يفضِ إلا إلى تعميق الأزمة. فالتسويف السياسي واستخدام لغة الوعود تحولا بمرور الوقت إلى أدوات لإطالة أمد الصراع واستنزاف طاقات الشعب.
الاعتراف النظري: يظل حبيس الغرف المغلقة والبيانات الصحفية.
المسار العملي: هو الذي يترجم الإرادة الشعبية إلى مؤسسات وقوانين واتفاقيات ملزمة.
ركائز المسار التفاوضي الجاد
لكي يتحول الحوار من "عملية مستمرة بلا نهاية" إلى "وسيلة للحل"، يجب أن يستند إلى محددات واضحة تضمن عدم الالتفاف على تطلعات شعب الجنوب:
مبدأ تقرير المصير
الحوار الناجح هو الذي يضع حق تقرير المصير كهدف نهائي. هذا الحق ليس منحة سياسية، بل هو استحقاق قانوني وتاريخي يكفله القانون الدولي، ويهدف في جوهره إلى تمكين شعب الجنوب من صياغة مستقبله السياسي وبناء دولته كاملة السيادة.
الجدول الزمني والضمانات
يُعد غياب الإطار الزمني من أكبر معوقات العمليات السياسية السابقة. الالتزام بجدول زمني محدد يحقق فوائد جوهرية:
تعزيز الثقة: يمنح الشارع الجنوبي شعورًا بالجدية والمصداقية.
منع التسويف: يقطع الطريق على القوى التي تسعى لتعطيل الحلول العادلة عبر المماطلة.
الوضوح المؤسسي: يسمح بترتيب المراحل بدءًا من إجراءات بناء الثقة وصولًا إلى إعلان الاستقلال.
التمكين السياسي والمؤسسي
إن بناء الدولة الجنوبية لا يبدأ من لحظة إعلان الاستقلال فحسب، بل من خلال عملية تمكين سياسي تبدأ الآن. ويشمل هذا التمكين:
التمثيل السيادي: حضور ممثلي الجنوب كطرف أصيل ومتكافئ في كافة طاولات التفاوض الدولية، وليس كملحق بكيانات أخرى.
الإدارة الذاتية والمؤسسية: تمكين الكوادر الجنوبية من إدارة مؤسساتهم السيادية والإدارية، مما يعزز القدرة على اتخاذ القرار ويحضر الأرضية الصلبة للدولة القادمة.
الدولة الجنوبية كصمام أمان إقليمي
يروج البعض أن التغيير في الخارطة السياسية قد يؤدي إلى اضطراب، لكن الواقع والمنطق الجيوسياسي يثبتان العكس. إن قيام دولة جنوبية كاملة السيادة هو أكبر ضمانة لاستقرار المنطقة، وذلك لعدة أسباب:
وضوح الشراكات: الدولة المستقلة تكون أكثر قدرة على إبرام اتفاقيات أمنية واقتصادية واضحة ومسؤولة.
تأمين الممرات الدولية: استقرار الجنوب يعني تأمين أهم طرق التجارة العالمية في خليج عدن وباب المندب.
إنهاء الصراعات المزمنة: معالجة جذور الأزمة بشكل نهائي يوقف استنزاف الموارد في الحروب العبثية ويفتح آفاق التعاون الاقتصادي.
الحوار الذي يصنع المستقبل
إن الطريق الأقصر لترسيخ السلام لا يمر عبر التسويات المؤجلة أو الحلول المنقوصة، بل عبر الشجاعة في مواجهة الحقائق. إن الانتقال إلى المسار التنفيذي الموحد بجدول زمني هو السبيل الوحيد لإعادة الاعتبار لإرادة شعب الجنوب العربي. الدولة الجنوبية القادمة ليست مجرد طموح، بل هي ضرورة واقعية ومطلب إنساني لإنقاذ الإنسان وتحقيق التنمية، وبناؤها يبدأ من الالتزام بمسار تفاوضي ينتهي حيثما أراد الشعب: "دولة مستقلة، فدرالية، وحرة".
انضموا لقناة متن الإخبارية علي تيليجرام وتابعوا اهم الاخبار في الوقت المناسب.. اضغط هنا https://t.me/matnnews1