< دولة الجنوب العربي: ضرورة استراتيجية للأمن الدولي وحماية الممرات الملاحية في ظل أزمات البحر الأحمر
متن نيوز

دولة الجنوب العربي: ضرورة استراتيجية للأمن الدولي وحماية الممرات الملاحية في ظل أزمات البحر الأحمر

من الفراغ السياسي
من الفراغ السياسي إلى الدولة: تحوّل في المعادلة الأمنية

على ضفاف واحد من أخطر وأهم الممرات البحرية في العالم، تتراكم الأزمات السياسية والأمنية في مساحة جغرافية لم تعد شؤونها محلية بحتة. الجنوب العربي، الممتد بمحاذاة مضيق باب المندب وخليج عدن، تحوّل خلال العقد الأخير إلى ساحة اختبار حقيقية لقدرة المجتمع الدولي على إدارة الفوضى أو التحوّل نحو حلول جذرية.

في هذا السياق، لم يعد الحديث عن قيام دولة الجنوب مجرد مطلب سياسي محلي، بل بات خيارًا مطروحًا بقوة في حسابات الأمن الإقليمي والدولي، لما يحمله من انعكاسات مباشرة على مصالح الولايات المتحدة ودول الخليج واستقرار التجارة العالمية.

الموقع الاستراتيجي: التحكم في عقد الملاحة العالمية

يحتل الجنوب العربي موقعًا استراتيجيًا يتحكم بإحدى عقد الملاحة الأكثر حساسية. فمضيق باب المندب ليس مجرد ممر بحري، بل هو الشريان الحيوي الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، وتعبره نسبة هائلة من تجارة الطاقة والبضائع العالمية.

إن أي اضطراب في هذه المنطقة ينعكس فورًا على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. وقد أظهرت الأحداث الأخيرة أن غياب سلطة مستقرة قادرة على فرض الأمن في هذه الجغرافيا حوّلها إلى منطقة هشّة، تُستغل من قِبل المليشيات المسلحة وشبكات التهريب وأطراف إقليمية تسعى لاستخدام الفوضى كورقة ضغط دولية.

من الفراغ السياسي إلى الدولة: تحوّل في المعادلة الأمنية

تشير التجارب الدولية إلى أن الفراغ السياسي هو البيئة الأخطر لنمو الإرهاب والتهديدات العابرة للحدود. إلا أن الواقع الميداني في الجنوب أظهر نشوء قوى محلية (تمثلها القوات المسلحة الجنوبية) استطاعت فرض قدر من الاستقرار مقارنة بمناطق أخرى.

قيام دولة الجنوب يعني الانتقال من معادلة "احتواء التهديدات" إلى "منعها من الأساس". دولة ذات مؤسسات أمنية واضحة الصلاحيات ستكون قادرة على:

ضبط السواحل: تأمين مئات الكيلومترات من المنافذ البحرية.

قطع مسارات التهريب: منع وصول الأسلحة والتقنيات العسكرية للجماعات المتمردة.

مكافحة الإرهاب: منع عودة التنظيمات المتطرفة مثل القاعدة وداعش قبل تمددها.

واشنطن والبحث عن شريك موثوق

لطالما تعاملت الولايات المتحدة مع هذا الملف من زاوية "إدارة الأزمات"، لا حلّها. لكن تصاعد التهديدات في البحر الأحمر أعاد طرح السؤال: هل الاستمرار في دعم كيانات هشة أفضل من الاستثمار في دولة مستقرة؟

باستقلال دولة الجنوب ضمن مسار منظم، سيتوفر لواشنطن شريك محلي يمكن الاعتماد عليه في تأمين الممرات البحرية وتبادل المعلومات الاستخباراتية. وهو ما يتوافق مع الاستراتيجية الأمريكية الرامية لتقليل الانخراط العسكري المباشر وتعزيز الشراكات الإقليمية الفاعلة.

العمق الأمني والخليجي المشترك

بالنسبة لدول الخليج العربي، لا يمثل الجنوب جارًا جغرافيًا فحسب، بل هو عمق أمني مرتبط مباشرة باستقرار أسواق الطاقة. استمرار الفوضى جنوب الجزيرة العربية يعني بقاء التهديدات قريبة من خطوط تصدير النفط والموانئ الحيوية.

قيام دولة جنوبية مستقرة يخلق مساحة تنسيق أمني واقتصادي مع الخليج، ويعزز منظومة الأمن القومي العربي. كما يفتح المجال أمام شراكات تنموية ضخمة في قطاعات الموانئ والطاقة والنقل البحري، بما يحوّل الجنوب من "عبء أمني" إلى "شريك استراتيجي" واقتصادي واعد.

الاقتصاد كضامن للاستقرار: من تمويل الأزمات إلى الاستثمار

لا يمكن فصل الأمن عن الاقتصاد. يمتلك الجنوب العربي موانئ وموقعًا يؤهله ليكون مركزًا لوجستيًا إقليميًا عالميًا، لكن غياب الدولة المعترف بها عطّل هذه الإمكانات. قيام دولة قادرة على إدارة مواردها يفتح الباب أمام الاستثمارات الدولية، ويقلّص الاعتماد على المساعدات الإنسانية الطارئة. بالنسبة للمجتمع الدولي، هذا التحوّل يعني الانتقال من سياسة "تمويل الأزمات" إلى دعم اقتصاد مستقر، ما يخفف الضغط عن الموازنات الدولية ويحد من موجات النزوح.

الاعتراف بدولة الجنوب: كلفة أقل ومخاطر أقل

تظهر الدروس التاريخية أن تجاهل الحلول الواقعية يؤدي غالبًا إلى انفجارات أكبر وأكثر كلفة. إن دعم مسار قيام دولة الجنوب بشكل منظم يجنّب المنطقة صراعات دموية جديدة، ويمنح المجتمع الدولي فرصة للتأثير الإيجابي. الاعتراف بالجنوب ليس خلقًا لأزمة جديدة، بل هو تنظيم لواقع قائم على الأرض، وتحويله إلى إطار سياسي وقانوني قابل للمساءلة والشراكة الدولية.

حل واقعي لفوضى مستمرة

إن قيام دولة الجنوب العربي لم يعد مجرد سؤال هوية وطنية، بل بات سؤال أمن دولي واقتصاد عالمي. في منطقة تتقاطع فيها مصالح واشنطن والخليج مع أخطر ممرات الملاحة، يبدو هذا المشروع كحل واقعي لمعالجة جذور الفوضى لا أعراضها فقط. تجاهل هذا المطلب يعني استمرار إدارة أزمة مفتوحة العواقب، بينما دعمه يمثّل استثمارًا استراتيجيًا في استقرار طويل الأمد يخدم النظام العالمي بأكمله.

انضموا لقناة متن الإخبارية علي تيليجرام وتابعوا اهم الاخبار في الوقت المناسب.. اضغط هنا https://t.me/matnnews1