استعادة دولة الجنوب العربي: المخاض الأخير ومعادلة فرض الأمر الواقع
حين تُقرر الشعوب أن تخرج من عتمة الظلم إلى نور الحرية، يكون انبلاج الصبح تحصيل حاصل؛ نتيجة لتراكمٍ طويل من المعاناة والصبر والإصرار.
إنها اللحظة التاريخية التي لا تحتاج إلى إذنٍ من أحد، ولا ترتهن لرضا أي قوة خارج الحدود، مهما بلغت الرسائل التي تحاول "الجهات الظلامية" الحاقدة تمريرها. اليوم، يبلغ الوعي السياسي لشعب الجنوب العربي ذروته، مُدركًا أن الحرية والكرامة حقوق أصيلة لا يمنحها صديق ولا يقررها جار.
نضال تراكمي: من الإقصاء إلى استعادة الذات
منذ عام 2007م، انتفض شعب الجنوب العربي ضد سنوات طويلة من التهميش والإقصاء والهيمنة السياسية والاقتصادية التي مارستها منظومة صنعاء. لم يكن الحراك الجنوبي مجرد رد فعل عابر، بل كان تعبيرًا عن حالة مركبة من "الألم الوجودي" والانسلاخ القسري عن الذات الوطنية.
طوال هذه الرحلة الشاقة، ظل مطلب الجنوبيين مشروعًا تاريخيًا قانونيًا يسعى لاستعادة دولتهم التي كانت قائمة وفاعلة في محيطها الإقليمي والدولي. ورغم العراقيل التي لا حصر لها، من قمع وتضليل وتجاهل متعمد في الداخل والخارج، إلا أن اليأس لم يتسرب إلى نفوس أبناء الجنوب، إيمانًا منهم بأن الحقوق لا تسقط بالتقادم. واليوم، يقترب الجنوب بثبات من الاستحقاق الوطني الأكبر، متجاوزًا رهانات الحاقدين.
المعطيات الميدانية: لماذا يقف الجنوب على أعتاب الاستقلال؟
تشير القراءة المتأنية للمشهد الحالي إلى أن الجنوب لم يعد يطالب بالاستقلال من "رصيف الانتظار"، بل يمارسه فعليًا على الأرض. وتتلخص أبرز هذه المعطيات في خمس ركائز أساسية:
السيطرة السيادية والإدارية
أضحت مساحات واسعة من أرض الجنوب تحت إدارة أبنائه بشكل كامل، ولم يتبقَّ خارج هذه السيطرة إلا مديرية "مكيراس" وبعض الجيوب، وهو مؤشر سيادي يعكس انتقال النفوذ من حالة الصراع والمقاومة إلى حالة "الإدارة والتمكين". هذا التحول يثبت للعالم أن الجنوب لم يعد ساحة للفوضى، بل كيانًا قادرًا على ضبط حدوده وتأمين مكتسباته.
الزخم الشعبي وشرعية الشارع
يشهد الجنوب، من المهرة شرقًا حتى باب المندب غربًا، موجة غير مسبوقة من المطالبات والاعتصامات السلمية الواعية. هذا الضغط الشعبي يطالب القيادة السياسية صراحة بإعلان "فك الارتباط". إن هذا الالتفاف الجماهيري يمثل "مصدر الشرعية الأول" لأي قرار سيادي قادم، ويقطع الطريق على المشككين في إرادة الشعب.
الحامل السياسي الموحد (المجلس الانتقالي)
مثّل تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي ككيان سياسي جامع نقطة تحول جوهرية. فقد لعب دور "الشخصية الاعتبارية" للقضية في المحافل الدولية، ونجح في توحيد معظم القوى الجنوبية حول مشروع الاستعادة. هذا التنظيم السياسي منح القضية زخمًا دبلوماسيًا وحماها من التشتت الذي راهن عليه الخصوم.
القوة العسكرية والأمنية
يمتلك الجنوب اليوم قوات مسلحـة متماسكة ومدربة، أثبتت جدارتها في حماية الأرض ومكافحة الإرهاب. هذه القوات لم تحمِ الحدود فحسب، بل أربكت حسابات الأعداء في الداخل والخارج، مشكلةً بذلك الشرط الأساسي لأمن واستقرار أي دولة ناشئة.
تأييد المؤسسات والوزارات
انتقال السلطات المحلية في المحافظات، وانضمام الكوادر في الوزارات والمؤسسات لدعم المشروع الجنوبي، يعني أن "جهاز الدولة" الداخلي بات جاهزًا وظيفيًا للانتقال من حالة "الأمر الواقع" إلى حالة "الدولة المستقلة" مكتملة الأركان.
استحقاقات المرحلة: ماذا نحتاج لضمان النجاح؟
إن اللحظات التاريخية الكبرى لا تُقاس بالحماسة الثورية وحدها، بل بالوعي وإدراك حجم التحديات. لضمان نجاح الدولة الجنوبية المقبلة، يجب العمل على أربعة مسارات متوازية:
الإدارة الرشيدة ومكافحة الفساد
يجب على الجنوبيين إثبات قدرتهم على إدارة المؤسسات بكفاءة وشفافية. الإدارة الرشيدة هي الشرط الضروري لنيل احترام المجتمع الدولي، وهي "صمام الأمان" الذي يحمي الدولة الناشئة من إعادة إنتاج منظومات الفساد السابقة التي ثار ضدها الشعب.
الأمن الاقتصادي والمعيشي
المستوى المعيشي للمواطن هو المقياس الحقيقي لنجاح أي مشروع سياسي. لن يكتمل الاستقلال دون وضع سياسات اقتصادية واضحة تُحسن حياة الناس، وتوفر الخدمات الأساسية بكرامة، وتُعيد الاعتبار للطبقة المتوسطة التي دمرتها سنوات الحرب والإهمال.
اللحمة الوطنية والشراكة
قوة الجنوب الحقيقية تكمن في وحدته. يجب أن يظل المشروع الجنوبي مشروعًا جامعًا لكل القوى والشخصيات والمناطق دون استثناء. الدولة المنشودة هي دولة "كل الجنوبيين"، ولا مكان فيها للإقصاء أو تصفية الحسابات؛ فالتوافق هو حجر الزاوية للاستقرار المستدام.
الخطاب السياسي الدولي
على الجنوب أن يخاطب العالم بلغة القانون الدولي والمصالح المشتركة. الرسالة يجب أن تكون واضحة: "نحن دولة ستسهم في حفظ الأمن الإقليمي، وحماية خطوط الملاحة الدولية في باب المندب، وشريك حقيقي في مكافحة الإرهاب". هذا الخطاب المسؤول هو ما سيؤدي في النهاية إلى الاعتراف الدولي بالدولة الجنوبية.
فجر جديد يلوح في الأفق
إن تضحيات شهداء الجنوب وجرحاه لم تكن يومًا محل مساومة، واليوم يحصد الشعب ثمار ثباته الأسطوري. إن التحولات الجيوسياسية في المنطقة، تفرض واقعًا جديدًا يتصدره الجنوب كلاعب رقمي صعب لا يمكن تجاوزه. إنها مسألة وقت فقط، وسيعلن العالم اعترافه بالواقع الذي فرضه أبناء الجنوب بدمائهم وعرقهم وإرادتهم الصلبة.
انضموا لقناة متن الإخبارية علي تيليجرام وتابعوا اهم الاخبار في الوقت المناسب.. اضغط هنا https://t.me/matnnews1