مستقبل الدبيبة: أبعاد التوتر الراهن بين مجلس النواب والحكومة الليبية

عقيلة صالح
عقيلة صالح

أعلن عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب الليبي، في 17 يناير 2022، أن حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة لم تعد لها شرعية، مشيرًا إلى ضرورة إعادة تشكيل حكومة جديدة تتولى قيادة المرحلة الانتقالية لحين إجراء الانتخابات، مما يعكس تصاعد حدة التوترات الراهنة بين مجلس النواب والحكومة الليبية. 

وجاءت هذه التصريحات خلال الجلسة الأولى، التي ترأسها صالح للبرلمان الليبي منذ عودته لمباشرة مهام عمله كرئيس للبرلمان، والتي كانت مقررة في 24 ديسمبر الماضي، وقد حضر جلسة البرلمان كل من رئيس المفوضية العليا للانتخابات، عماد السايح، ورئيس مصلحة السجل المدني الليبي، محمد بالتمر.

موقف متأزم

شهد الملف الليبي عدة تطورات مهمة خلال الفترة الأخيرة تتعلق بمستقبل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، ويمكن عرضها على النحو التالي:

1- دعوات برلمانية لإقالة الحكومة: تقدم 15 نائبًا من البرلمان الليبي بطلب رسمي إلى صالح لإقالة حكومة الدبيبة، وتشكيل حكومة تكنوقراط تكون محددة المهام، متهمين الحكومة ورئيسها بالفساد، ومطالبين النائب العام بضرورة فتح تحقيقات في هذا الشأن.

وفي هذا السياق، بدأ صالح أول جلسة للبرلمان بالإعلان عن انتهاء شرعية حكومة الدبيبة، داعيًا إلى تشكيل حكومة جديدة، بيد أن جلستي البرلمان اللتين عقدتا في 17 و18 يناير الجاري، لم تتوصلا إلى قرار بشأن مستقبل الحكومة وملامح خريطة الطريق الجديدة، وتم التركيز خلالها على الاستماع إلى إحاطة رئيس المفوضية العليا للانتخابات ورئيس مصلحة الأحوال المدنية بشأن أسباب فشل إجراء الانتخابات في 24 ديسمبر الماضي، وسبل حلحلة المعوقات التي تهدد إنجاح هذه الاستحقاقات. 

واختتمت جلسة البرلمان، في 18 يناير الجاري، بدعوة صالح للجنة "خريطة الطريق" إلى الاستمرار في المشاورات مع القوى السياسية المختلفة ومع الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، وتقديم تقرير نهائي قبل يوم 22 يناير الجاري، تتضمن ملامح الخريطة الجديدة، سواء فيما يتعلق بمستقبل الحكومة أو موعد إجراء الانتخابات.

2- تمسك الدبيبة بالبقاء: أعلن المتحدث باسم حكومة الدبيبة، محمد حمودة، في 17 يناير الجاري، أن تصريحات صالح لا تعبر عن موقف رسمي للبرلمان الليبي، وإنما هي مجرد رأي شخصي له، مشيرًا إلى وجود عدد كبير من النواب يختلفون معه، وذلك في إشارة إلى أن هناك اتجاهًا آخر داخل مجلس النواب يرى ضرورة استمرار حكومة الوحدة الوطنية، لتجنب تأجيج صراعات إضافية. 

كذلك، أطلق عدد من مرشحي الرئاسة "مبادرة الاستحقاق الانتخابي" تطالب استمرار حكومة الوحدة الوطنية باعتبارها حكومة تسيير أعمال، كما دعت منتدى الحوار الليبي للعودة للمشهد، حال فشل البرلمان في تكليف حكومة جديدة، مع تغيير بعض العناصر التي تقلدت مناصب حكومية أو تلك التي ثبت عدم نزاهتها، فضلًا عن دعوة مجلس الأمن الدولي إلى ضرورة فرض عقوبات على أي فرد أو كيان يسعى لعرقلة الانتخابات.

3- قلق أممي ودولي: ثمة قلق متنام لدى البعثة الأممية من فكرة تشكيل حكومة ليبية جديدة، حيث أعلنت مستشارة الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفاني ويليامز، أن خريطة الطريق التي وضعها ملتقى الحوار الليبي تمتد حتى يونيو المقبل، مما يعني ضرورة استمرار الحكومة الحالية في مباشرة مهامها حتى نهاية هذه المدة. كما أعربت ويليامز عن قلقها من استبدال الحكومة الحالية، مشيرة إلى أن هذا لن يشكل حلًا للأزمة الحالية.

من ناحية أخرى، تعكس مواقف القوى الدولية المنخرطة في الملف الليبي وجود دعم لفكرة استمرار حكومة الدبيبة لحين إجراء الانتخابات الرئاسية، وهو الموقف الذي أيدته بوضوح السفيرة البريطانية لدى ليبيا، كارولين هرندال. 

دلالات مهمة

تعكس التطورات الأخيرة التي شهدها الملف الليبي عدة دلالات مهمة بشأن مستقبل حكومة الوحدة الوطنية، وهو ما يمكن توضيحه على النحو التالي:

1- تباين المواقف الدولية والمحلية: تعكس المؤشرات الراهنة وجود تناقض بين الموقف الدولي والداخلي حول كيفية إدارة المرحلة الانتقالية، إذ تضغط القوى الدولية للتعجيل بإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسة خلال عدة أشهر، وذلك في مقابل توجهات ليبية داخلية تسعى لإعادة إحياء فكرة صياغة الدستور أولًا لإجراء الانتخابات على أسس قانونية ودستورية واضحة.

وانعكس هذا الموقف الدولي في التصريحات الأخيرة لبعثة الاتحاد الأوروبي إلى ليبيا، فضلًا عن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، للأطراف السياسية في ليبيا لإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية في أقرب وقت ممكن.

وتدعو البعثة الأممية للإبقاء على حكومة الوحدة الوطنية لتجنب تمديد الفترة الانتقالية، وإجراء الانتخابات قبل نهاية يونيو المقبل، ولعل هذا ما قد يفسر الجولة الخارجية التي قامت بها ويليامز، والتي تضمنت كلًا من مصر وتونس والجزائر وتركيا وروسيا، في محاولة لحشد موقف إقليمي ودولي موحد بشأن خريطة الطريق التي تسعى ستيفاني إلى إطلاقها. 

وفي المقابل، أعلن عقيلة صالح، في الجلسة الثانية للبرلمان، في 18 يناير الجاري، عن خريطة طريق جديدة تقوم لجنة "خريطة الطريق" برئاسة نصر الدين مهنا، بإعدادها، وبالتنسيق مع المفوضية العليا للانتخابات، ويبدو أن هذه الخريطة سوف تتضمن تأجيل الانتخابات عدة أشهر لحين الانتهاء من تسوية الملفات الخلافية والعراقيل التي حالت دون إجراء انتخابات 24 ديسمبر الماضي، فضلًا عن الإعلان عن تشكيل حكومة جديدة، وربما يعزز من هذا الطرح إعلان رئيس المفوضية العليا للانتخابات خلال جلسة مجلس النواب، في 17 يناير الجاري، أن استكمال عملية الانتخابات يحتاج لفترة تتراوح بين 6 – 8 أشهر.

2- غموض مصير حكومة الوحدة الوطنية: لا يزال مستقبل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة، عبد الحميد الدبيبة، غامضًا، في ظل وجود مساع حثيثة من قبل بعض أعضاء البرلمان الليبي، لاستبعادها من المشهد، في ظل اتهام الدبيبة باستغلال موارد الدولة للترويج لنفسه داخليًا.

وكان مجلس النواب قد صوت في سبتمبر الماضي على سحب الثقة من حكومة الدبيبة، بيد أن عملية تنفيذ هذا القرار تعثرت بسبب الرفض الدولي الواسع، وهو ما يعني أن الدبيبة سوف يتمسك بمنصبه، حتى في حالة إقالته من مجلس النواب، وتشكيل حكومة جديدة، وهو الأمر الذي يمكن أن تتمخض عنه إعادة حالة الاستقطاب بين الشرق والغرب، وخلق حكومتين موازيتين، على غرار المشهد السابق خلال وجود حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج.

ورجحت بعض التقديرات تصويت مجلس النواب على حكومة الدبيبة في جلسة 24 يناير، وأن يسبق هذه الجلسة عقد صالح لقاءات مكثفة مع عدة قوى سياسية، بما في ذلك عدد من مرشحي الرئاسة، لعل أبرزهم وزير الداخلية السابق، فتحي باشاغا، ونائب رئيس المجلس الرئاسي السابق، أحمد معيتيق، وذلك لإيجاد تفاهمات بين القوى في شرق ليبيا وغربها على تشكيل حكومة جديدة.

وكان عقيلة صالح قد عقد لقاءً مع نائب رئيس المجلس الرئاسي، عبد الله اللافي، في 15 يناير الجاري، لبحث مسار الانتخابات، وسرت إشاعات على مواقع التواصل الاجتماعي أنه تم الاتفاق على تشكيل حكومة تكنوقراط مصغرة، وعلى الرغم من نفي بعض أعضاء البرلمان صحة هذه الوثيقة، فإن مصادر حكومية وبرلمانية رفضت التعقيب عليها، وهو ما أضفى مصداقية عليها. كما أن ثمة أخبارًا متداولة أشارت إلى وجود مساعٍ لتشكيل حكومة جديدة برئاسة فتحي باشاغا.

3- تحركات الدبيبة الاستباقية: يقوم الدبيبة بعدة خطوات لاستباق صدور قرار محتمل من البرلمان بتشكيل حكومة جديدة، وذلك عبر التوصل إلى تفاهمات مع بعض أعضاء البرلمان الليبي ومجلس الدولة، بهدف استقطاب بعض منهم لدعم موقفه، مع الاستعداد لإجراء تعديل وزاري محتمل خلال الأيام المقبلة لإقصاء بعض العناصر المتهمة بالفساد، مع افساح المجال أمامه لإغراء العناصر التي يسعى للتقارب معها في مجلسي النواب والدولة لترشيح شخصيات قريبة منهم في هذه الحقب الوزارية والمناصب الحكومية الأخرى، وذلك وفقًا للتسجيل الصوتي المسرب لرئيس مجلس الدولة، خالد المشري.

4- أزمة دستورية محتملة: دعا عقيلة صالح خلال جلسة البرلمان في 17 يناير الجاري إلى تشكيل لجنة من 30 عضوًا من المثقفين والمفكرين والقانونين من الأقاليم الليبية الثلاثة لصياغة دستور جديد للبلاد، وذلك خلال 30 يومًا من تاريخ تشكيل اللجنة. وردًا على ذلك، أعلن رئيس الهيئة التأسيسية الليبية لصياغة الدستور، الجيلاني أرحومة، عن رفضه لإعلان صالح بشأن تشكيل لجنة جديدة لصياغة الدستور، مشيرًا إلى أن هذا الأمر سيخلق أزمة دستورية جديدة.

كذلك، عقد رئيس المجلس الأعلى للدولة، خالد المشري، اجتماعًا في 18 يناير الجاري، مع لجنة التواصل بالهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، حيث تم الاتفاق على ضرورة استكمال المسار الدستوري من خلال طرح المسودة التي صاغتها الهيئة على الاستفتاء الشعبي. كما تمسك المشري بالتنسيق مع الهيئة الدستورية، باعتبارها هيئة منتخبة من قبل الشعب، وهو ما يؤشر على عودة التوترات بين مجلس النواب والدولة مرة أخرى، بعد التوافقات التي شهدتها العلاقات بين الجانبين خلال الفترة المقبلة. 

ويلاحظ أن رغبة البرلمان في تشكيل حكومة جديدة، فضلًا عن التخوفات من إمكانية عودة ملتقى الحوار الليبي مرة أخرى، ربما تدفع الطرفين إلى محاولة إيجاد تسوية لهذه الإشكالية، وربما يعزز من ذلك الطرح إعلان عقيلة صالح في نهاية جلسة 18 يناير عن دعوته للجنة "خريطة الطريق" بضرورة التنسيق مع الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور.

وفي الختام، يشهد الملف الليبي تصاعد حالة الضبابية التي تخيم على المشهد الداخلي، مع ترجيح اتجاه التوترات الراهنة بين صالح والدبيبة إلى مزيد من التصعيد، مما سيرسخ حالة التشظي والانقسام الداخلي، في ظل اتساع الهوة بين الموقف الدولي الراغب في الإسراع في عملية الانتخابات، وبين الموقف الداخلي الذي بات يرى الأولوية لصياغة دستور جديد للبلاد.

 

*نقلًا عن مركز المستقبل للدراسات المتقدمة