طبق الكشري اليمني

جميعنا يعلم أن طبق الكشري حاملٌ للجنسية المصرية فقط، وإن حدثت المعجزة وتحدثت المكرونة أو العدس أو الأرز وطُلب منهم التنازل عن الجنسية المصرية، فلا يمكن أن يتنازلوا عنها لأي سبب من الأسباب، غير أن السياسة قد تجعل من شكل ذلك الطبق بمثابة حالة تتشابه مع ما يمكن تسميته «التجمع غير المتجانس» للطبق السياسي المتشابه معه. وقد جاءت اليمن كأبرز تعبير عن ذلك الواقع غير المتجانس بأي شكل من الأشكال، والذي يشبه طبق الكشري المصري الأصيل، غير أن طبق الكشري المصري يحمل تجانسًا بين مكوناته لم تعهدْه المكونات اليمنية على مرّ عصورها.

(1)

إن نظرةً متفحصةً إلى طبيعة المكونات اليمنية، وحالة صراع الجميع ضد الجميع التي تكلّم عنها الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز، تجعل المتفحص فيها في حالة حيرة؛ فإذا حاولت أن تغوص في أعماق اليمن لتفهم، ستخرج من هذا النظر المتعمق بحالة من اللافهم واللاوعي واللا شيء. فلا يمكن أن تفهم ما يدور في اليمن على الإطلاق، وهي دولة لا يمكن أن نُسقط عليها ما درسناه عن العلوم السياسية أو الفلسفة السياسية، وما قرأناه عن سياسة التحالفات والانقسامات المعهودة. فهناك فقط يمكن أن ترى جنوبًا في دولة، وشمالًا في دولة، وحربًا تقوم لضم الجنوب إلى الشمال؛ هذا صراع. وهناك يمكن أن ترى الحوثيين قوةً تدفعهم دولة خارجية كإيران لتنقضّ على السلطة؛ هذا صراع آخر. وهناك يمكن أن ترى إخوانًا مسلمين وداعش والقاعدة متحالفين مع السلطة القابعة على سدة الحكم لمواجهة الحوثيين. وحين ينتهي تحالف السلطة مع التنظيمات المسلحة، لا تجد التنظيمات المسلحة غضاضةً من التحالف مع الحوثيين، فيعود الحوثيون للتحالف مع القاعدة ضد السلطة. وفي خضم هذا الأذى المتصاعد، والظلمات التي تأتي بعضها فوق بعض، ستجد ناشطين في جنوب اليمن يسعون لاستعادة دولتهم التي انضمت إلى الشمال، ويكوّنون جيشًا لمواجهة الحوثيين والتنظيمات الإرهابية والسلطة معًا. هناك في اليمن قد تجد كل النظريات السياسية يتم العمل بها في وقت واحد؛ ستجد نظرية حرب الجميع ضد الجميع لتوماس هوبز، وتجد في الوقت نفسه نظرية ميكافيللي في «الغاية تبرر الوسيلة»، وتجد نظرية الدبلوماسية المثلثة، وقد تجد نظرية المؤامرة المتعارف عليها. هناك قد تجد قولًا بلا فعل، وفعلًا بلا قول، وضروبًا من الجنون الذي لا يمكن تفسيره على الإطلاق. هناك يمكنك أن ترى تجسيدًا لمقولة الأستاذ محمد حسنين هيكل: «تحالفات جديدة، وانقسامات جديدة، وفوضى في كل مكان».

(2)

إن هذه الحالة ليست حالة عامة في اليمن، بل يمكن إسقاطها على الحالات الخاصة؛ فقد تجد في البيت الواحد أو الأسرة الواحدة ابنًا من تلك الأسرة قائدًا في جيش الحكومة الشرعية، وقد تجد شقيقه أو ابن عمه قائدًا لإحدى التشكيلات التابعة لميليشيات الحوثي. وهي الحالة التي تنطبق على أسرة وزير الدفاع اليمني في حكومة الشرعية محمد المقدشي، القائد العام للقوات المسلحة اليمنية، فيما التحق ابن عمه حسين محمد المقدشي بالحوثيين ليكون قائدًا في حكومة الحوثيين بدرجة نائب وزير. وقد يتحارب الطرفان نهارًا، ويتقابلان سويًا على مائدة العشاء في المساء. هناك في اليمن يمكنك أن ترى كل النظريات السياسية معمولًا بها في وقت واحد. يمكنك أن ترى لافتة على أبواب الدولة مكتوبًا عليها: «زورونا تجدوا كل ما يسركم».

إن كل تلك المهازل قادتني مرةً إلى قراءة قصة طريفة – لا أعلم مدى دقتها – تُروى على لسان الكاتب المصري الساخر الأستاذ محمود السعدني، ومفادها أنه وصل إلى مطار صنعاء ضيفًا على اليمن، وتفاجأ بوجود الرئيس المصري الراحل أنور السادات في صالة المغادرة يستعد لدخول طائرته في اتجاه مغادرة اليمن. وحين سأل الساداتُ السعدنيَّ عن سبب زيارته لليمن، قال السعدني: «جاي عشان أفهم الوضع هنا يا ريس»، فردّ السادات عليه: «لو فهمت حاجة يا محمود عَدّي عليّ في مصر وفهمني.. أنا بقالي أسبوع هنا مفهمتش حاجة أبدًا».

(3)

كان هذا حال السادات، على الرغم من كونه أحد أبرز الدهاة في عالم السياسة والحرب، وهذا سيكون حال كل من يحاول الفهم. فمجرد المحاولة قد تجلب لك ارتباكًا في قواعد الفهم لديك، أو ارتجاجًا في المخ حال تعمقت في محاولة فهم دولة يعترف أبناؤها أنهم، مع الأسف، يقعون تحت سطوة حكومات لا تهتم إلا ببسط نفوذها وجمع الأموال. والأدهى من ذلك كله أن الحكومات المتعاقبة على اليمن تستفيد من حالة الحرب الحالية، وجنودًا كُثرًا وضباطًا يروق لهم حال الحرب بعد تضاعف رواتبهم التي يتلقونها من الخارج. وحكومة يمنية شرعية لا تحكم من اليمن، بل تقبع في دولة مجاورة وتصدر قراراتها من هناك. دولة يقود رئيسها شؤونها من دولة مجاورة، وحكومة تتصرف في أحوال الشعب من دولٍ مجاورة تعددت بين السعودية والإمارات ومصر وغيرها. بل إن الأدهى والأشد وجعًا من كل ذلك ما أقدم عليه وفد من الحكومة اليمنية التي سبق أن دخلت في مفاوضات مع المبعوث الأممي السابق لليمن مارتن غريفيث، حيث عقدت مشاورات بين الحكومة الشرعية ومندوبين عن الحوثيين في السويد، فما كان من الوفد الحكومي المشارك إلا أن تقدم عدد كبير منهم بطلبات لجوء إلى الحكومة السويدية، متناسين الهدف الذي جاءوا من أجله، وطمعًا في رغدٍ لم ولن يحصلوا عليه، وهو ما يمثل خيانةً للقضية موضع التفاوض بأكملها.

(4)

إن اليمن دولة تشهد فائضًا في كل شيء: فائضًا في العنف، وفائضًا في المهاترات السياسية، وفائضًا في تشرذم النسيج الاجتماعي؛ ذلك النسيج الذي تآكل بفعل الحروب المتتالية منذ عام 1990 وحتى تلك اللحظة. وهناك فائض آخر، وهو فائض من الخسة والنذالة، يتمثل في تبدد المال على موائد المسؤولين الفرحين بما آتاهم فسادهم من تعزيز للحروب لضمان الدعم المالي السخي ضد محور المواجهة.

وبالنظر إلى خريطة المواجهة، ستجد أن الحوثيين – وهم الضلع الأبرز في الصراع – ترعاهم إيران لتنفيذ أجندتها في المنطقة، وتمدهم بالمال والسلاح اللازمين لتوجيه صواريخهم ومسيراتهم تجاه الأراضي السعودية، دعمًا لمشروعها ضد الدول السنية ونشر التشيع. ويقابل ذلك دعم التحالف العربي بقيادة السعودية للحكومة الشرعية برئاسة عبد ربه منصور هادي. وفي الوقت نفسه تجد دولة الإمارات، الشريك في تحالف دعم الشرعية، تدعم المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، الذي يسعى لاستعادة دولة الجنوب والانفصال عن دولة الشمال، وهو ما كان السبب الرئيس لهجمات الحوثيين على مطار أبو ظبي مؤخرًا، بعد نشاط ملحوظ لقوات العمالقة الجنوبية في تحرير مناطق الجنوب اليمني والاتجاه نحو محافظات الشمال، معقل الحوثي.

(5)

وفي النهاية، وبعد كل ما عرضناه، وما لم نفهمه من مجريات السياسة اليمنية ولا حتى من هذا المقال، لا يسعنا إلا أن نقدم الشكر لطبق الكشري المصري؛ ذلك الطبق الذي تجانست مكوناته على مر العصور، فلم نجد العدس يومًا يتحارب مع الأرز لدحر المكرونة، ولا تحالفت المكرونة مع الصلصة لإبعاد العدس، ولا تحاربت الصلصة مع الدقة للظفر بلذة الطعم، لكن طبق الكشري المصري تجانس مع بعضه البعض، واتحدت مكوناته ضد كيان واحد فقط، وهو «القولون».