بعد أزمة ديون فرنسا.. مخاطر السندات تهدد باتساع عجز ميزانية إيطاليا
ألقت الأزمة التي تشهدها الديون الفرنسية بظلال كثيفة على الضغوط المالية في أوروبا خلال الأسابيع الأخيرة، لكن أنظار المستثمرين تحولت بسرعة نحو إيطاليا وسط خطط الإنفاق الحكومية الجديدة المثيرة للجدل.
نقلت شبكة CNBC عن محللين في بنك "غولدمان ساكس" أن الحكومة الإيطالية ستعرض الأسبوع المقبل ميزانية تتضمن مخصصات تمت الموافقة عليها مؤخرًا لقطاعي الدفاع والطاقة، والتي من المتوقع أن تؤدي إلى اتساع عجز البلاد خلال العامين المقبلين، وجعل نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في إيطاليا تتصاعد لتصبح الأعلى في أوروبا.
وقال فيليبو تادي، كبير الخبراء الاقتصاديين الأوروبيين في البنك، إن "هذه التغييرات قد تزيد من الضغوط على السندات الحكومية الإيطالية قبيل الانتخابات العامة المقرر إجراؤها العام المقبل".
وبحسب "CNBC" فإنه في الثاني من أكتوبر (تشرين الأول)، وافقت حكومة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني على اقتراض إضافي بقيمة 28 مليار يورو (31 مليار دولار) على مدار العامين المقبلين لدعم الإنفاق على الدفاع والطاقة. ورغم تقليصها، فقد أدت خطط الإنفاق هذه إلى رفع المستهدف لعجز ميزانية إيطاليا لعام 2027 إلى 3.4% من الناتج المحلي الإجمالي، ولعام 2028 إلى 3.2%. ويمثل ذلك ارتفاعًا عن التوقعات السابقة لشهر أبريل (نيسان) والتي بلغت 2.8% و2.5% على التوالي.
وأوضحت "تأتي هذه التدابير -المقسّمة بالتساوي بين الدفاع والطاقة، وبقيمة تُقدر بنحو 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا لكل منهما في عامي 2027 و2028- وسط تصاعد مخاوف المستثمرين حيال تفاقم الاقتراض الحكومي في مختلف أنحاء القارة".
متاعب السندات الفرنسية
سجلت عوائد السندات الحكومية الفرنسية مستويات مرتفعة غير مسبوقة منذ عدة سنوات في الأيام الأخيرة، بالتزامن مع أزمة الديون المتصاعدة في البلاد والتي تغذي المخاوف بشأن هشاشة الماليات العامة في أوروبا.
وتراجع عائد سندات الخزانة الفرنسية القياسية لأجل 10 سنوات، الجمعة، بمقدار 3 نقاط أساس ليصل إلى 4.85%، مدعومًا بانخفاض أسعار النفط.
وفي آخر تقرير لبنك "غولدمان ساكس"، فإن عوائد السندات الحكومية الإيطالية انخفضت لأجل 10 سنوات بمقدار 5 نقاط أساس لتسجل 4.55%، وبلغ فارق العائد بين السندات الألمانية لأجل 10 سنوات (التي تُعد المعيار القياسي لديون منطقة اليورو) والسندات الإيطالية نحو 108 نقاط أساس.
وأوضح تادي أن علاوات مخاطر المالية العامة في إيطاليا ترشحه للارتفاع قبيل الانتخابات العامة المقبلة في البلاد -المقررة في موعد أقصاه 22 ديسمبر (كانون الأول) 2027- نتيجة لاتساع العجز.
وقال: إن "تبني سياسة مالية أكثر تساهلًا، وتشديد الأوضاع المالية، إلى جانب سباق انتخابي محتدم، كلها عوامل تبدو مهيأة لإضعاف توقعات الدين بعد أربع سنوات من الضبط المالي".
مستهدفات العجز الجديدة
قال كبير الخبراء الاقتصاديين الأوروبيين في بنك غولدمان ساكس، فيليبو تادي: "نجد أن تفاقم عجز الميزانية، إلى جانب ارتفاع عوائد السندات، مهيأ لدفع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي نحو مسار تصاعدي حتى 2028، قبل أن تستقر عند نحو 137%، لتصبح بذلك الأعلى في أوروبا بحلول ذلك الوقت".
وأضاف "يمثل ارتفاع العوائد تحديًا رئيسيًا في البيئة الحالية، ونرى أن أي تحول هيكلي يستقر بعوائد سندات العشر سنوات فوق 4% سيؤدي على الأرجح إلى وضع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في إيطاليا على مسار تصاعدي يتجاوز ذلك المستوى".
قرارات مالية صعبة
من جانبه، أكد قسطنطين فايت، مدير المحافظ الاستثمارية لدى شركة "بيمكو"، أن موجة البيع الأخيرة في عوائد السندات العالمية أعادت تسليط الضوء على الدول ذات الأساسيات الأضعف نسبيًا.
وأشار فايت إلى أنه في الوقت الذي تُحفظ فيه السندات الحكومية الفرنسية على نطاق واسع من قِبل المستثمرين الأجانب -مما يجعلها أكثر عرضة لتدفقات الأخبار السلبية- فإن الدين السيادي الإيطالي يتركز بشكل رئيسي في أيدٍ محلية، وهو ما يُعد عادةً "عاملًا محققًا للاستقرار".
وقال فايت: "على الرغم من أن إيطاليا تتمتع بدين أعلى، إلا أنها تمتلك رصيدًا أوليًا أقوى، ومسارًا مواتيًا نسبيًا، واستقرارًا سياسيًا، وسجلًا حافلًا في اتخاذ التعديلات الضرورية".
وأضاف أنه مقارنة بفرنسا، تبدو إيطاليا ككل في "وضع أفضل نسبيًا" في هذه المرحلة، مدعومة
بـ "أساسيات أقوى، وتكوين سياسي أكثر وضوحًا، وسجل حافل باتخاذ قرارات مالية صعبة".
