من التداول إلى تخزين السبائك.. البنوك العالمية تتسابق لاقتناص أرباح الذهب

الذهب والفضة
الذهب والفضة

سجلت البنوك العالمية الكبرى أرباحًا قياسية من تداول المعادن الثمينة خلال النصف الأول من عام 2026، مدفوعة بزيادة إقبال المستثمرين على الذهب والفضة، والتقلبات الحادة في الأسعار، إلى جانب تصاعد التوترات الجيوسياسية والتجارية التي عززت حركة التداول في الأسواق العالمية. وتضع هذه المكاسب المؤسسات المصرفية العاملة في هذا المجال على مسار تحقيق أفضل أداء سنوي على الإطلاق، في ظل استمرار الاهتمام بالمعادن النفيسة باعتبارها إحدى الأدوات المهمة للتحوط وتنويع الاستثمارات.

جي بي مورجان يتصدر أرباح تداول المعادن الثمينة

حسب تقرير لوكالة أنباء «بلومبيرج»، تصدر بنك «جي بي مورجان تشيس» قائمة البنوك من حيث الأرباح المحققة من تداول المعادن النفيسة، بعدما سجل نحو 700 مليون دولار خلال النصف الأول من العام الجاري، في مؤشر على اتساع الفرص التي أتاحتها التحركات القوية في أسواق الذهب والفضة.

وفي السياق نفسه، تجاوزت أرباح بنك «دويتشه» الألماني من نشاط تداول المعادن الثمينة 200 مليون دولار خلال الفترة ذاتها، مستفيدًا من ارتفاع مستويات النشاط والتقلبات السعرية التي شهدتها الأسواق. كما عززت بنوك عالمية كبرى، من بينها «جولدمان ساكس» و«بنك أوف أميركا» و«مورجان ستانلي»، اعتمادها على تداول الطاقة والمعادن بوصفه أحد مصادر الإيرادات المهمة.

ويعكس هذا الأداء تنامي أهمية أسواق السلع داخل الأنشطة الاستثمارية للمؤسسات المالية الكبرى، إذ تتيح التحركات السريعة في الأسعار فرصًا لتحقيق عوائد من عمليات الشراء والبيع، وإدارة المخاطر، والاستفادة من اختلاف الأسعار بين الأسواق. ومع ذلك، تظل هذه الأنشطة مرتبطة بمستويات مرتفعة من المخاطر، خاصة عندما تتغير اتجاهات الأسعار بصورة مفاجئة.

ارتفاع أسعار الذهب والفضة يعزز مكاسب البنوك

أسهمت موجة المضاربات التي دفعت أسعار الذهب والفضة إلى مستويات قياسية في زيادة أرباح المتداولين خلال النصف الأول من العام، مع ارتفاع نشاط المستثمرين الباحثين عن فرص جديدة في أسواق المعادن النفيسة. واستفادت المؤسسات المالية كذلك من الفجوات السعرية بين الأسواق العالمية، التي يمكن أن تتيح فرصًا للتداول وتحقيق المكاسب عند إدارتها بكفاءة.

وكان شهر يناير من أكثر الفترات ربحية لشركات تداول المعادن الثمينة، بعدما اتجه مضاربون من مختلف أنحاء العالم إلى شراء الذهب والفضة بكثافة، ما دفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة. وأدى هذا النشاط إلى زيادة حجم التعاملات ورفع أهمية فرق التداول داخل البنوك والمؤسسات المالية الكبرى.

لكن الأسعار تراجعت لاحقًا مع اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، وما صاحبها من ارتفاع حاد في أسعار الطاقة وتجدد التوقعات بشأن تشديد السياسة النقدية. وتؤثر هذه التطورات في حسابات المستثمرين، إذ إن ارتفاع تكاليف الطاقة واحتمالات زيادة أسعار الفائدة قد يغيران اتجاهات الطلب على الذهب والفضة، ويؤديان إلى تحولات سريعة في مراكز التداول.

ورغم التراجعات التي شهدتها الأسعار، لا تزال أسعار الذهب والفضة الفورية أعلى من ضعف مستوياتها المسجلة في بداية عام 2024، وفقًا لما أورده التقرير، وهو ما يعكس حجم التحولات التي شهدتها أسواق المعادن النفيسة خلال الفترة الماضية.

إيرادات البنوك العالمية من المعادن النفيسة عند مستويات قياسية

قال أنجاد تشاتوال، رئيس قسم الدخل الثابت والعملات والسلع في شركة «كواليشين»، إن إيرادات البنوك العالمية من تجارة المعادن الثمينة بلغت أعلى مستوى لها على الإطلاق خلال العام الماضي، مشيرًا إلى استمرار المكاسب مدعومة بالتقلبات المرتفعة والمشاركة القوية من المستثمرين في أسواق الذهب والفضة.

وتشير هذه التطورات إلى أن النشاط الاستثماري في المعادن النفيسة لم يعد مقتصرًا على شراء السبائك والاحتفاظ بها، بل أصبح يشمل مجموعة واسعة من الخدمات والعمليات المالية التي توفرها البنوك والمؤسسات المتخصصة. وتشمل هذه الأنشطة التداول وإدارة المخاطر وخدمات التسوية والتخزين، وهي مجالات تتيح للمؤسسات المالية تنويع مصادر دخلها والاستفادة من ارتفاع أحجام التعاملات.

وفي المقابل، تتطلب الاستفادة من هذه الفرص قدرة كبيرة على إدارة المخاطر ومتابعة التطورات الاقتصادية والسياسية، خصوصًا أن أسعار المعادن النفيسة تتأثر بعوامل متعددة، من بينها التوترات الجيوسياسية، والسياسات النقدية، وحركة الدولار، وتوقعات التضخم، واتجاهات المستثمرين في الأسواق العالمية.

منافسة متزايدة على خدمات تخزين الذهب وتسوية المعاملات في لندن

بالتزامن مع ارتفاع الأرباح، تتجه بنوك إضافية إلى دخول سوق خدمات حفظ السبائك وتسوية معاملاتها في لندن، في محاولة للاستفادة من النمو المتزايد في تجارة الذهب. وتُعد العاصمة البريطانية أكبر مركز عالمي لتجارة السبائك، كما تمثل خدمات التخزين والتخليص عنصرًا أساسيًا في البنية التحتية التي تدعم تداول المعدن النفيس بين المؤسسات المالية والمتعاملين.

ووفقًا لمصادر مطلعة نقل عنها التقرير، تسعى عدة بنوك إلى الانضمام إلى مجموعة محدودة من الشركات التي تقدم هذه الخدمات، وهو ما يعكس اشتداد المنافسة على الأنشطة المرتبطة بسوق الذهب، وعدم اقتصار الاهتمام على التداول المباشر فقط.

وكانت مجموعة «سيتي جروب» أول شركة جديدة تدخل هذا المجال منذ نحو عشر سنوات، في وقت سابق من العام الجاري، لتنضم إلى مؤسسات تقدم بالفعل خدمات مماثلة، من بينها «جي بي مورجان» و«يو بي إس» و«إتش إس بي سي» و«آي سي بي سي ستاندرد بنك».

ويمنح التوسع في خدمات التخزين والتسوية البنوك فرصة لتعزيز حضورها في سوق السبائك، وبناء علاقات أوسع مع العملاء والمؤسسات العاملة في تجارة المعادن النفيسة. كما أن زيادة عدد مقدمي الخدمات قد تسهم في رفع مستوى المنافسة، في ظل سعي المؤسسات المالية إلى اقتناص حصة أكبر من سوق تتزايد أهميته مع ارتفاع أحجام التداول.

توقعات إيجابية رغم مخاطر تقلبات الأسواق

وعكست أجواء اجتماع رابطة سوق لندن للمعادن الثمينة «LBMA» في إيطاليا حالة من التفاؤل بين التجار وأصحاب المصافي والمديرين التنفيذيين، بعد سنوات شهدت ارتفاعات ملحوظة في الأسعار وزيادة الاهتمام بأسواق المعادن النفيسة.

وقال جريج فريث، كبير تجار المعادن الثمينة في مجموعة «سنتاليون»، المعروفة سابقًا باسم «جونفور»، خلال حلقة نقاش في المؤتمر، إن معظم الأشخاص الذين تحدث إليهم حققوا عامًا جيدًا للغاية، واصفًا الأداء بأنه قياسي.

وأضاف فريث أن العام كان استثنائيًا بالنسبة إلى مجموعته والعديد من المتداولين الآخرين، لكنه حذر في الوقت نفسه من التراخي، مؤكدًا أن المكاسب قد تضيع سريعًا إذا لم تحافظ الشركات على مستوى مرتفع من التركيز والانضباط في إدارة أعمالها.

وتبرز هذه التصريحات أهمية الموازنة بين الاستفادة من فرص التداول والحذر من التقلبات المفاجئة، خصوصًا في ظل ارتباط أسواق الذهب والفضة بالتطورات السياسية والاقتصادية العالمية. فبعد موجة الأرباح القياسية، تواجه البنوك تحديًا يتمثل في الحفاظ على الأداء القوي، وإدارة المخاطر بكفاءة، والاستعداد لتغير اتجاهات الأسعار، بما يضمن استمرار الاستفادة من الطلب على المعادن النفيسة دون التعرض لخسائر كبيرة.