أزمة مباراة أيرلندا وإسرائيل بدوري الأمم الأوروبية.. من دعوات المقاطعة إلى تصويت اللاعبين

أيرلندا
أيرلندا

تتجه الأنظار مساء اليوم الأحد، إلى ملعب ناجيردي بمدينة ديبريتسن المجرية، الذي يستضيف مواجهة إسرائيل وأيرلندا ضمن منافسات دوري الأمم الأوروبية، في مباراة تحولت خلال الأيام الماضية من مواجهة كروية في المجموعة الثالثة بالمستوى الثاني إلى واحدة من أكثر المباريات إثارة للجدل في كرة القدم الأوروبية، على خلفية الحرب في غزة ودعوات داخل أيرلندا لمقاطعة اللقاء.

ورغم حالة الغموض التي أحاطت بالمباراة حتى الساعات الأخيرة، أكدت بعثة منتخب أيرلندا أن المواجهة ستقام في موعدها، بعدما أجرى لاعبو المنتخب تصويتًا داخليًا انتهى بأغلبية كبيرة لصالح استكمال المشاركة وخوض المباراة، وفق ما أعلنه ديفيد كورييل، الرئيس التنفيذي للاتحاد الأيرلندي لكرة القدم.


كيف بدأت الأزمة؟

بدأت جذور الأزمة قبل أشهر، بعدما أسفرت قرعة دوري الأمم الأوروبية لموسم 2026-2027 عن وجود أيرلندا وإسرائيل في المجموعة الثالثة إلى جانب النمسا وكوسوفو.

وكانت القضية محل نقاش واسع داخل كرة القدم الأيرلندية قبل إقامة القرعة، إذ صوّت أعضاء الاتحاد الأيرلندي في نوفمبر 2025 بنسبة كبيرة لصالح مطالبة الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا» باتخاذ إجراءات بحق الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم.

وفي يوليو الماضي، عاد الاتحاد الأيرلندي لطرح مسألة خوض المباراتين أمام إسرائيل على أعضاء الجمعية العمومية، وانتهى التصويت إلى تأييد استكمال المواجهتين؛ حيث صوت 75 مندوبًا لصالح القرار مقابل 32 ضده، مع امتناع ثلاثة عن التصويت. واستند موقف الاتحاد إلى أن الانسحاب من مباريات دوري الأمم قد تكون له تداعيات رياضية ومالية على كرة القدم الأيرلندية.

وأوضح الاتحاد الأيرلندي في وقت سابق أن لوائح مسابقات «يويفا» تنص على أن عدم خوض مباراة مقررة قد يؤدي إلى اعتبار الفريق منسحبًا، فضلًا عن إمكانية توقيع عقوبات رياضية أخرى، وهو ما دفع الاتحاد إلى التمسك باستكمال مبارياته أمام إسرائيل.


لماذا لن تقام المباراة في أيرلندا؟

رغم أن أيرلندا هي صاحبة الأرض في مباراة الإياب، فإن المواجهتين لن تقاما على الأراضي الأيرلندية.

المباراة الأولى، المقرر إقامتها اليوم الأحد، تُلعب في ملعب ناجيردي بمدينة ديبريتسن المجرية، باعتبارها مباراة إسرائيل، بينما تقام المواجهة الثانية في الرابع من أكتوبر المقبل في ملعب «TSC أرينا» بمدينة باشتا توبولا في صربيا، باعتبارها مباراة أيرلندا.

وكان الاتحاد الأيرلندي قد أعلن في يونيو الماضي نقل مباراته على أرضه إلى ملعب محايد في صربيا، بسبب ما وصفه بـ«التحديات التشغيلية» التي قد تؤثر على إمكانية إقامة المباراة في ملعب أفيفا بالعاصمة دبلن، مع اعتماد إقامة اللقاء دون حضور جماهيري.

كما أعلن الاتحاد في أغسطس أنه لن يوفر تذاكر لمشجعي أيرلندا لحضور أي من المباراتين، مستندًا إلى اعتبارات تتعلق بالأمن والسلامة. وفي المقابل، سُمح بعدد محدود من جماهير إسرائيل بحضور مباراة اليوم في المجر.


دعوات واسعة لمقاطعة المباراة

خلال الأسابيع الماضية، تصاعدت الدعوات داخل أيرلندا إلى عدم خوض المباراتين أمام إسرائيل، على خلفية الحرب في غزة.

وفي 21 سبتمبر الجاري، وقّع أكثر من 160 رياضيًا أيرلنديًا رسالة مفتوحة إلى لاعبي المنتخب الأول، طالبوهم فيها بمقاطعة المباراتين، في حملة قادتها مجموعة «Irish Sport for Palestine». وطالبت الرسالة اللاعبين باتخاذ موقف جماعي، معتبرة أن الاتحاد الأيرلندي والاتحاد الأوروبي لكرة القدم والحكومة وضعوا المنتخب في موقف صعب.

كما شهدت العاصمة دبلن احتجاجات مرتبطة بالمباراة، بينما امتد الجدل إلى وسائل الإعلام والرأي العام واللاعبين السابقين والحاليين.

وفي المقابل، تمسك الاتحاد الأيرلندي بموقفه الرسمي باستكمال المباريات، مشيرًا إلى أن القرار الذي اتخذته الجمعية العمومية في يوليو يدعم خوض المواجهتين.


تصريحات اللاعبين تزيد الجدل

لم يكن الجدل مقتصرًا على الجماهير والاتحاد، إذ تحدث عدد من لاعبي المنتخب الأيرلندي بشكل علني عن صعوبة الموقف.

وقال لاعب الوسط جيسون نايت، عقب خسارة أيرلندا أمام كوسوفو بهدف دون رد في افتتاح مشوارها بدوري الأمم، إنه لا يعتقد أن المباراة أمام إسرائيل «ينبغي أن تقام»، لكنه أكد في الوقت ذاته أنها مقررة بالفعل، مشيرًا إلى أن اللاعبين سيجرون نقاشات داخلية بشأن كيفية التعامل مع الموقف.

كما عبّر تشيدوزي أوجبين عن تعاطفه مع المدنيين المتضررين من الحرب، مؤكدًا أن خوض المباراة لا يعني أن المنتخب الأيرلندي «أصدقاء مع إسرائيل»، وأن القرارات السياسية ليست من اختصاص اللاعبين.

أما المدير الفني لأيرلندا، هيمير هالجريمسون، فقال في تصريحات سابقة إن المنتخب «لا يلعب مع الإبادة الجماعية، بل ضدها»، في إشارة إلى أن مواجهة إسرائيل رياضيًا لا تعني تأييد ما يحدث في غزة. وتصريحات المدرب أثارت ردًا غاضبًا من الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم، الذي انتقد تصريحاته بشدة.


الساعات الأكثر توترًا.. هل كانت المباراة مهددة بالإلغاء؟

وصلت الأزمة إلى ذروتها صباح السبت، قبل أقل من 24 ساعة على موعد المباراة.

كان من المقرر عقد المؤتمر الصحفي لمنتخب أيرلندا بحضور المدير الفني ولاعب من الفريق، إلى جانب خوض الحصة التدريبية الأخيرة في ديبريتسن، لكن المؤتمر الصحفي تأجل قبل موعده بدقائق، ثم تأجل التدريب أيضًا.

وفي الوقت نفسه، كان لاعبو المنتخب يعقدون اجتماعات داخل الفندق لمناقشة موقفهم من خوض المباراة، وسط تقارير عن وجود انقسام داخل الفريق بشأن المشاركة.

وزادت حالة الغموض بعدما أبلغ حارس المرمى جافين بازونو الجهاز الفني بأنه لا يرغب في المشاركة في مباراتي إسرائيل، قبل أن ينسحب من قائمة الفريق، وفق ما أكدته تقارير أيرلندية وتغطيات دولية.

وكانت هناك مخاوف من أن يؤدي انسحاب عدد أكبر من اللاعبين إلى أزمة أكبر داخل المنتخب، خصوصًا مع عدم وجود موقف موحد بين جميع أفراد الفريق.


تصويت اللاعبين يحسم الموقف

بعد ساعات من الاجتماعات والنقاشات، حُسمت الأزمة مؤقتًا.

وأعلن ديفيد كورييل أن لاعبي المنتخب أجروا تصويتًا داخليًا بشأن استكمال مباريات إسرائيل، وأن «أغلبية كبيرة» صوتت لصالح خوض المواجهة.

وقال كورييل إن أحد اللاعبين أعلن صباح السبت عدم ارتياحه لخوض المباراة ورغبته في الانسحاب، وهو ما أدى إلى فتح نقاش جديد استمر عدة ساعات بين اللاعبين والجهاز الفني ومسؤولي الاتحاد.

وبناءً على نتيجة التصويت، قرر الاتحاد الأيرلندي المضي قدمًا في المباراة، مع احترامه لحق اللاعبين في تبني مواقف مختلفة من القضية.

وأكد هالجريمسون أن جميع اللاعبين الآخرين سيشاركون في التدريب، مشيرًا إلى أن المجموعة تواجه موقفًا استثنائيًا لا يوجد فيه حل يحظى بموافقة الجميع.


أيرلندا تتخذ خطوات رمزية قبل المباراة

وبحسب تصريحات الاتحاد الأيرلندي، فإن قرار خوض المباراة لا يعني تجاهل موقف اللاعبين تجاه الحرب في غزة.

ومن المقرر أن يرتدي لاعبو أيرلندا شارات سوداء خلال المباراة، تكريمًا لجميع من فقدوا حياتهم في الصراع، كما يعتزم اللاعبون تقديم مساهمات مالية لجمعيات خيرية من عائدات مشاركتهم في مباراتي إسرائيل، إلى جانب مباراة النمسا المقبلة.

كما طلب اللاعبون تقليص التزاماتهم الإعلامية خلال فترة التوقف الدولي، في ظل الضغوط التي تعرضوا لها خلال الأيام الماضية.


الاتحاد الأيرلندي يقلص ظهوره الإعلامي

لم تقتصر الإجراءات على اللاعبين، إذ اتخذ الاتحاد الأيرلندي نفسه خطوات غير معتادة بالتزامن مع المواجهات.

فقد قرر الاتحاد إزالة جميع شعارات الرعاة من الأنشطة الإعلامية المرتبطة بالمباريات، كما قلص الظهور الإعلامي للاعبين والجهاز الفني إلى الحد الأدنى الذي تفرضه لوائح «يويفا».

وأوضحت تقارير أيرلندية أن الاتحاد وصف مواجهتي إسرائيل بأنهما «فريدتان» من حيث الظروف المحيطة بهما، بينما قلصت بعض وسائل الإعلام الأيرلندية تغطيتها التجارية للمباراتين؛ إذ لن تبث هيئة الإذاعة والتلفزيون الأيرلندية «RTÉ» استوديو تحليليًا حول اللقاءين، كما لن تحمل تغطيتها رعاية أو إعلانات مرتبطة بالمباراتين.


موقف الاتحاد الأوروبي لكرة القدم

أيرلندا وإسرائيل عضوان في الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، وبالتالي فإن مواجهتهما تأتي ضمن المسابقة الرسمية، بعدما أوقعت القرعة المنتخبين في المجموعة الثالثة من المستوى الثاني إلى جانب النمسا وكوسوفو.

وكان الاتحاد الأيرلندي قد طالب سابقًا باتخاذ إجراءات ضد الاتحاد الإسرائيلي، إلا أن المواجهات استمرت ضمن جدول المسابقة.

ويخشى الاتحاد الأيرلندي من أن يؤدي عدم خوض المباريات إلى عواقب رياضية على المنتخب وكرة القدم الأيرلندية، وهو ما كان أحد الأسباب الرئيسية وراء موقفه الرسمي باستكمال المواجهتين.


المباراة في النهاية.. كرة القدم وسط أزمة سياسية وإنسانية

وبذلك، تنطلق مباراة إسرائيل وأيرلندا مساء الأحد في ديبريتسن، بعد أيام من الجدل غير المسبوق الذي أحاط بالمواجهة.

أيرلندا ستدخل اللقاء بعد خسارتها أمام كوسوفو بهدف دون رد في الجولة الأولى، بينما خسرت إسرائيل أمام النمسا بثلاثة أهداف مقابل هدف، ما يجعل المباراة مهمة أيضًا على مستوى حسابات المجموعة الثالثة.

لكن الأهمية الرياضية ستكون جزءًا واحدًا فقط من المشهد، بعدما تحولت المواجهة إلى قضية تتجاوز حدود الملعب، بين مطالب بالمقاطعة داخل أيرلندا، وقرار رسمي باستكمال المباريات، وانقسام في مواقف اللاعبين، وانسحاب جافين بازونو، وإجراءات رمزية أعلنها المنتخب قبل المباراة.

وبينما حُسمت مسألة إقامة لقاء الأحد بعد تصويت اللاعبين، فإن الجدل لن ينتهي مع صافرة البداية، خاصة أن المنتخبين يستعدان للقاء ثانٍ في الرابع من أكتوبر المقبل في صربيا، في مباراة ستكون أيرلندا صاحبة الأرض فيها اسميًا، لكنها ستقام أيضًا خلف أبواب مغلقة.