اقتصاد تحت الحصار.. كيف أحكمت هندسة أوسلو والاحتلال الخناق المالي؟
في الذكرى الثالثة والثلاثين لتوقيع اتفاق أوسلو، يواجه المشروع الوطني الفلسطيني منعطفًا تاريخيًا هو الأخطار منذ عقود. فقد جاءت تداعيات "طوفان الأقصى" لتعيد صياغة المشهد برمته، كاشفة عن فجوة عميقة بين ثوابت التحرير والعودة وبين واقع سياسي وأمني أفرزه اتفاق تحول بنظر كثيرين إلى عبء وطني.
وفي قراءة تحليلية للمشهد، يرى نائب رئيس المجلس التشريعي، حسن خريشة، أن مفهوم المشروع الوطني تعرض لتبدل جذري؛ بينما ارتبط في نشأته بالكفاح المسلح وأدوات مواجهة الاحتلال، وانحسر اليوم في دهاليز "أوسلو"، متمثلًا في السلطة، والتنسيق الأمني، والاقتصاد التابع.
زلزال "الطوفان" وتغير المعادلات
أحدثت أحداث "طوفان الأقصى" زلزالًا سياسيًا وميدانيًا غيّر ملامح المنطقة، وأعاد القضية الفلسطينية إلى الواجهة العالمية وسط تعاطف شعبي دولي واسع، كاشفًا في الوقت ذاته عن حجم الخذلان الرسمي وتعرية الجرائم الإسرائيلية.
وفي المقابل، تتعامل إسرائيل مع أوسلو باعتباره طيًا للماضي، متجهة بمعية الإدارة الأميركية نحو فرض ترتيبات تستهدف تصفية القضية برمتها، والتي تشمل:
فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية
تسريع التوسع الاستيطاني وإعادة السيطرة العسكرية المباشرة على الضفة.يشير خريشة إلى أن السلطة أصبحت، في ظل وظيفتها الحالية، عبئًا ثقيلًا على المواطن الفلسطيني وعائقًا أمام حركات المقاومة؛ إذ تستند إلى الاتفاقات الأمنية لتبرير منع أي عمل مقاوم، متذرعة بخشية تحويل الضفة إلى نسخة ثانية من غزة، رغم أن أجزاء واسعة من الضفة باتت تشهد ظروفًا شبيهة بالقطاع تحت وطأة اعتداءات المستوطنين المستمرة وغياب الحماية الرسمية.
استراتيجية الإبقاء على "السلطة الضعيفة"
يوضح التقرير أن إسرائيل تعتمد مقارزدة مزدوجة؛ فهي تستهدف المقاومة بكل شراسة، بينما تسعى لإبقاء السلطة الفلسطينية ضعيفة وهشة دون أن تنهار، لضمان استمرار دورها الوظيفي والأمني. ويتراكم هذا الضغط مع تعميق الانقسام الداخلي واستثمار بعض المواقف الإقليمية لتكريس واقع الوصاية وفصل الأراضي الفلسطينية.
آفاق المستقبل.. صمود لا يعرف الاستسلام
رغم تعاظم التحديات، لا سيما مع صعود اليمين الإسرائيلي الذي يتبنى أطروحات "يهودا والسامرة" بدعم أمريكي وغطاء تطبيعي، يؤكد التقرير أن إرادة الشعب الفلسطيني تظل الصخرة التي تتكسر عليها مشاريع التصفية. فبعد 78 عامًا من الصمود والمقاومة، يرفض الفلسطينيون رفع الراية البيضاء، معتبرين أن نيل الحرية مسألة وقت مهما اشتدت الضغوط والخطط البديلة لفرض الإدارات الدولية.
البعد الاقتصادي
بينما يتردد صدى التناقضات السياسية في الذكرى الثالثة والثلاثين لاتفاق أوسلو، يبرز الواقع الاقتصادي كأحد أثقل الأثمان التي دفعها الفلسطينيون جراء هندسة تلك المرحلة وما تلاها من صدمات ميدانية.
اقتصاد “أوسلو”.. بنية التبعية والاتحاد الجمركي
كرّس اتفاق أوسلو وملحقه الاقتصادي (بروتوكول باريس) واقعًا بنيويًا من التبعية المطلقة للاحتلال؛ إذ رَبَط الاقتصاد الفلسطيني باتحاد جمركي أحادي الجانب، مما حرم السلطة الفلسطينية من السيطرة على حدودها ومعابرها ومواردها السيادية. وأدى هذا النموذج إلى تحويل الاقتصاد الفلسطيني من اقتصاد إنتاجي إلى اقتصاد خدمي واستهلاكي تعتمد فيه الواردات بشكل كلي على البوابة الإسرائيلية، وتتلاشى فيه القدرة التنافسية للقطاعات الزراعية والصناعية.
أموال المقاصة: سلاح الخنق المالي
أصبح الشريان المالي للسلطة الفلسطينية رهينة بيد إسرائيل، التي تستحوذ على تحصيل ضرائب الواردات (المقاصة) التي تشكل نحو 65% من إيرادات السلطة. وقد استغل الاحتلال هذه الإيرادات كسلاح ضغط سياسي مستمر، ملوحًا باحتجاز مليارات الدولارات أو اقتطاع أجزاء منها، مما أدخل ميزانية السلطة، وأضعف قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها التشغيلية ودفع رواتب موظفيها بانتظام، دافعة بالمؤسسات نحو شفا الانهيار.
صدمة "الطوفان" والحصار: شلل تدميري متراكم
على وقع الحرب المستمرة وتداعياتها العميقة، تعمقت الأزمة الاقتصادية لتأخذ طابعًا كارثيًا؛ حيث تشير تقارير سلطة النقد والجهاز المركزي للإحصاء إلى ركود عميق وانكماش تاريخي تراجع معه الناتج المحلي الإجمالي بنسب غير مسبوقة (متجاوزًا انهيارًا شبه تام في قطاع غزة وتراجعًا حادًا في الضفة). وترافق ذلك مع:
تعطل أسواق العمل
قفزت معدلات البطالة إلى مستويات قياسية لتطال نحو نصف القوى العاملة (بين الضفة والقطاع).
كما تفشت نسب فقر غير مسبوقة بلغت حدود المجاعة وانعدام الأمن الغذائي الحاد، لا سيما مع توقف العمالة الفلسطينية داخل الخط الأخضر وفقدان القطاعات الإنتاجية والإنشائية القدرة على الاستمرار.
بهذا، تحول الإرث الاقتصادي لأوسلو – مدعومًا بالضغط العسكري الميداني والحصار – إلى حلقة مفرغة، حيث تُستنزف موارد الفلسطينيين وتُقيد حركتهم، بينما تصر الدوائر الإسرائيلية على استخدام الملف الاقتصادي والمعيشي كأداة هندسة سياسية للسيطرة والتدجين.
