مضيقان في قلب النار.. ماذا يحدث إذا أُغلق باب المندب؟
لم يعد الصراع في الخليج والبحر الأحمر محصورًا في حدود المواجهة العسكرية المباشرة، بعدما باتت الممرات البحرية نفسها ورقة ضغط قد تعيد رسم خريطة التجارة والطاقة عالميًا.
ومع تشديد الولايات المتحدة حصارها البحري على إيران، برز تهديد بإمكانية استهداف طرق الملاحة الممتدة من الخليج وبحر عمان إلى البحر الأحمر، بما يضع باب المندب أمام اختبار بالغ الحساسية. فالسيناريو الأخطر لا يتعلق بإغلاق مضيق واحد فقط، بل باحتمال تزامن الضغط على باب المندب مع تهديد مضيق هرمز، في مشهد يمكن أن يدفع الاقتصاد العالمي إلى موجة اضطراب تتجاوز حدود الشرق الأوسط.
شريانان استراتيجيان
تكمن خطورة السيناريو في الموقع الذي يحتله مضيقا هرمز وباب المندب داخل منظومة التجارة والطاقة، فإذا كان هرمز ممرًا حيويًا لخروج النفط والغاز والبتروكيماويات من الخليج، فإن باب المندب يمثل بوابة رئيسية لحركة السفن بين البحر الأحمر والمحيط الهندي، ومنها إلى قناة السويس والأسواق الأوروبية، وفق وكالة فرانس برس، السبت 12 سبتمبر 2026.
وفي حال إغلاق باب المندب أو تحول الملاحة عبره إلى مخاطرة أمنية، ستضطر السفن القادمة من شرق آسيا، ولا سيما من الصين والهند واليابان، إلى سلوك طريق رأس الرجاء الصالح. هذا البديل، وإن كان متاحًا جغرافيًا، يعني مسافات أطول واستهلاكًا أكبر للوقود وتأخيرًا في وصول الشحنات، بما يرفع كلفة النقل ويضغط على سلاسل الإمداد العالمية.
لعبة القوة
لا يقف المشهد عند الحسابات الاقتصادية، فكلما اقترب التهديد من الممرات البحرية، اتسعت مساحة الحشد العسكري. وتملك الولايات المتحدة حضورًا بحريًا كبيرًا في المنطقة، بينما تمتلك إيران سواحل طويلة ونقاط ارتكاز وجزرًا ذات أهمية عسكرية في الخليج، ما يمنحها قدرة على المناورة وتهديد حركة الناقلات، حسب مرصد الأزمات في مركز PTOC Yemen للأبحاث والدراسات المتخصصة.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى ما يسمى “وحدة الساحات” باعتباره أحد عناصر الضغط الإيراني، مع امتداد النفوذ والحلفاء من لبنان والعراق إلى اليمن. لكن هذا لا يعني بالضرورة وجود قرار موحد في كل جبهة، فالحوثيون يمتلكون حسابات محلية وجيوسياسية خاصة، رغم تنسيقهم مع طهران، فيما تفصل نحو ألفي كيلومتر بين هرمز وباب المندب، بما يمنح كل ساحة هامشًا مختلفًا لاتخاذ القرار.
حرب بلا حدود
تزداد حساسية الموقف مع طبيعة الحصار البحري المفروض على إيران، والذي يعتمد، وفق توصيف خبراء، على مراقبة حركة الناقلات عبر الأقمار الاصطناعية، ولا سيما السفن المرتبطة بجزيرة خارك، التي تمثل مركزًا رئيسيًا لصادرات النفط الإيراني، قبل اعتراض بعضها وتفتيشها.
لكن المفارقة أن الضغط على إيران قد يدفع نحو توسيع دائرة المواجهة بدلًا من احتوائها، فإذا انتقلت التهديدات من استهداف ناقلات أو منشآت إلى تعطيل باب المندب، فإن الأزمة ستتحول سريعًا من نزاع إقليمي إلى مشكلة عالمية، خصوصًا أن هرمز يظل العقدة الأكثر حساسية في سوق الطاقة لغياب بديل مكافئ قادر على استيعاب التدفقات نفسها.
فاتورة عالمية
قد اختبر العالم بالفعل خلال العامين الماضيين هشاشة باب المندب، بعدما استهدف الحوثيون سفنًا وناقلات قرب المضيق والبحر الأحمر خلال المواجهة مع إسرائيل ثم الولايات المتحدة. وأظهرت تلك الهجمات أن مجرد ارتفاع المخاطر الأمنية كفيل بدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، حتى قبل الوصول إلى مرحلة الإغلاق الكامل.
لذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس بالضرورة إغلاقًا شاملًا وفوريًا للمضيق، بل ارتفاعًا تدريجيًا في كلفة التأمين والشحن، وتحويل مزيد من السفن إلى طرق بديلة، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل التوريد.
أما الإغلاق الكامل، فيبقى السيناريو الأشد خطورة، لأنه سيجمع بين صدمة الطاقة وأزمة النقل والتجارة، ويضع القوى الدولية أمام خيار حماية أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي أو الدخول في مواجهة أوسع يصعب التحكم في مسارها.
